إلى هذا ذهب بعض الحنفية؛ إذ يرون جواز الاستشفاء بالحرام إذا أخبر طبيب مسلم أن فيه شفاء للمريض، ولم يوجد دواء مباح يقوم مقامه في التداوي به من المرض، وما عليه مذهب الشافعية وقطع به جمهورهم هو جواز التداوي بالمحرمات بسبب النجاسة ـ غير المسكر ـ إذا لم يوجد طاهر يقوم مقامها في التداوي، وكان المتداوي عارفًا بالطب، يعرف أنه لا يقوم غير النجس مقامه في المداواة، أو كان يعرف ذلك من تجربة سابقة له مع المرض، أو أخبره طبيب مسلم بذلك، وأما الطاهرات المحرمة كالحرير ونحوه فيجوز التداوي به في أظهر قولين في المذهب، بالقيود السابقة في التداوي بالنجس، ومذهب الظاهرية جواز التداوي بالمحرم مطلقًا، إلا لحوم بني آدم، وما يقتل من تناوله، فلا يحل التداوي به وإن دعت إليه الضرورة (1) .
? المذهب الثاني: يرى من ذهب إليه أنه لا يجوز التداوي بالمحرم.
إلى هذا ذهب جمهور الحنفية، وهو مذهب المالكية، ووجه في مذهب الشافعية، وإليه ذهب الحنابلة (2) .
أدلة المذهبين:
استدل أصحاب المذهب الأول على جواز التداوي بالمحرم بشرطه بما يلي:
أولًا: الكتاب الكريم: قال ـ تعالى ـ: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ} [الأنعام: 119] .
وجه الدلالة من الآية: أسقط الحق ـ سبحانه ـ تحريم ما فصل تحريمه عند الضرورة إليه؛ فكل محرم هو عند الضرورة حلال، والتداوي بمنزلة الضرورة، فيباح فيه تناول هذه المحرمات للتداوي بها استنادًا إلى هذه الآية.
ثانيًا: السنة النبوية المطهرة: روي عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: «إن رهطًا من عرينة أتوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالوا: إنا اجتوينا المدينة، وعظمت بطوننا، وارتهست أعضادنا، فأمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يلحقوا براعي الإبل، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فلحقوا براعي الإبل، فشربوا من أبوالها وألبانها حتى صلحت بطونهم وأبدانهم، ثم قتلوا الراعي وساقوا الإبل، فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-، فبعث في طلبهم، فجيء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، وأُلقُوا في الحرة يستسقون فلا يُسقَوْن» (1) .
وجه الدلالة منه:
رخص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لهؤلاء القوم بشرب أبوال الإبل على سبيل التداوي مما أصابهم من مرض، وقد صحت أبدانهم بعد شربه، والتداوي ـ كما قال ابن حزم ـ بمنزلة الضرورة التي ترخص في تناول المحرم، ولا يعد تناوله في هذه الحالة محرمًا؛ فإن ما اضطر المرء إليه فهو غير محرم عليه من المأكل والمشرب (2) .
اعتُرض على الاستدالال به بما يلي:
أ - قال العيني والمرغيناني: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خص العرنيين بذلك، لما عرف من طريق الوحي أن شفاءهم فيه، ولا يوجد مثله في زماننا، فلا يحل تناوله لعدم تيقن الشفاء فيه، فلا يعرض على الحرمة، وهو كما خص الزبير بن العوام بلبس الحرير لحكة كانت به أو للقمل (3) ، أو لأنهم كانوا كفارًا في علم الله تعالى، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- علم من طريق الوحي أنهم يموتون على الردة، ولا يبعد أن يكون شفاء الكافر بالنجس (4) .
أجيب عن هذا الاعتراض:
قال ابن المنذر: من زعم أن هذا خاص بأولئك الأقوام فلم يصب؛ إذ الخصائص لا تثبت إلا بدليل، ويؤيد هذا تقرير أهل العلم استعمال الناس أبوال الإبل في أدويتهم قديمًا وحديثًا، وعدم إنكارهم ذلك (5) .
رد هذا الجواب:
قال ابن حجر: إن المختلف فيه لا يجب إنكاره، فلا يدل ترك إنكاره على جوازه (6) .
ب - قال السرخسي: حديث أنس رواه قتادة عنه، وفيه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رخص للعرنيين في شرب ألبان الإبل ولم يذكر الأبوال، وإنما ذكر هذا في رواية حميد الطويل عنه، والحديث حكاية حال، فإذا دار بين أن يكون حجة أو لا يكون حجة، فإنه يسقط الاحتجاج به (7) .
ج - افترض العيني اعتراضًا حيث قال: إن أبوال الإبل كانت محرمة الشرب، فلا يجوز التداوي به (8) ؛ لِمَا روي عن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله ـ تعالى ـ لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها» (9) ، وما روي عن أبي الدرداء أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله ـ عز وجل ـ أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تتداووا بحرام» (10) .
أجيب عن هذا الاعتراض بما يلي:
1-قال البيهقي: هذان الحديثان ـ إن قيل بصحتهما ـ يُحمَلان على النهي عن التداوي بالمسكر، أو على التداوي بكل محرم في غير حال الضرورة إلى التداوي به، جمعًا بينهما وبين حديث العرنيين (11) .
2-قال ابن حزم: إن الحديث الذي روي عن أم سلمة باطل؛ لأن في سنده سليمان الشيباني، وهو مجهول، وقد جاء اليقين بإباحة الميتة والخنزير عند خوف الهلاك من الجوع؛ فقد جعل الله ـ تعالى ـ شفاءنا من الجوع المهلك فيما حرم علينا في غير تلك الحال.