• وقال العلامة ابن القيم عن قبح المعالجة بالمحرمات:(والمعالجة بالمحرمات قبيحة عقلًا وشرعًا، أما الشرع فما ذكرنا من الأحاديث وغيرها.
وأما العقل فهو أن الله سبحانه إنما حرمه لخبثه، فإنه لم يحرم على هذه الأمة طيبًا عقوبة لها، كما حرمه على بني إسرائيل... وإنما حرم على هذه الأمة ما حرَّم لخبثه، وتحريمه له حماية لهم، وصيانة عن تناوله، فلا يناسب أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل، فإنه فإن أثر في إزالتها، لكنه يعقب سَقمًا أعظم منه في القلب، بقوة الخبث الذي فيه، فيكون المداوى به قد سعى في إزالة سُقم البدن بسَقم القلب.
وأيضًا: فإن تحريمه يقتضي تجنبه والبعد عنه بكل طريق، وفي اتخاذه دواء حض على الترغيب فيه وملابسته، وهذا ضد مقصود الشارع.
وأيضًا: فإنه داء كما نص عليه صاحب الشريعة، فلا يجوز أن يتخذ دواء.
وأيضًا: فإنه يكسب الطبيعة والروح صفة الخبث، لأن الطبيعة تنفعل عن كيفية الدواء انفعالًا بينًا...
وأيضًا: فإن في إباحة التداوي به، ولا سيما إذا كانت النفوس تميل إليه، ذريعة إلى تناوله للشهوة واللذة، لا سيما إذا عرفت النفوس أنه نافع لها، مزيل لأسقامها، جالب لشفائها، فهذا أحب شيء إليها، والشارع سد الذريعة إلى تناوله بكل ممكن، ولا ريب أن بين سد الذريعة إلى تناوله وفتح الذريعة إلى تناوله تناقضًا وتعارضًا).
سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية عن حكم الشريعة الإسلامية في شرب الخمر عند ضرورة، كأن يكون الدكتور أمر بشربها؟
الجواب:(يحرم التداوي بشرب الخمر، وأي شيء مما حرم الله من الخبائث عند جماهير العلماء.
وقالت بعد أن ذكرت الأدلة التي نهت عن التداوي بالحرام:
ومن أباح التداوي بالخمر قاسه على إباحة أكل الميتة والدم للمضطر، وهو مع معارضته للنص ضعيف، لأنه قياس مع الفارق، إذ أن أكل الميتة والدم تزول بهما الضرورة ويُحفظ الرمق، وقد تعين طريقًا لذلك، أما شرب الخمر للتداوي فلا يتعين إزالة المرض به، بل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه داء وليس بدواء، ولم يتعين طريقًا للعلاج، ورحم الله مسلمًا استعان في علاج مرضه بما أباح الله من الطيبات، واكتفى به عما حرمه الله سبحانه من الخبائث المحرمات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم).
وسأل اللجنة سائل قائلًا: أنا طبيب ومهمتي تقتضي التداوي بالمخدرات أحيانًا، مثل المورفين، والكوكايين، والفاليوم، فما حكم الإسلام في ذلك؟
الجواب: (لا يجوز التداوي بالمحرمات لثبوت الأدلة الشرعية الدالة على التحريم) .
الخلاصة
• أن العلاج والتداوي بالحرام والنجس لا يحل أبدًا، وهذا مذهب العامة من أهل العلم، وما ذهب إليه بعض الشافعية مردود، وما قاله أبوثور فهو قول سوء مرذول.
• وأنه لا فرق في ذلك بين الخمر وغيرها من المحرمات والخبائث.
• أن العلاج بالحلال الطيب ليس واجبًا عند جماهير العلماء.
• أن العلاج ليس متيقنًا بالأدوية الطيبة، دعك عن الأدوية المحرمة الخبيثة، ولهذا لا يقاس العلاج بالمحرم بأكل المضطر للميتة مثلًا.
• ليس كل خلاف يُستراح له ويُعمل به، وإنما الخلاف المعتبر الذي يقوم على الدليل، سواء كان راجحًا أم مرجوحًا.
• لا يحل لأحد تتبع زلات العلماء وسقطاتهم مهما كانت منزلة القائل بها، كالزلة التي وقع فيها أبوثور رحمه الله على جلالة قدره، حتى حق للإمام أحمد أن يصف قوله هذا بأنه قول سوء.
اللهم متعنا بأسماعنا، وأبصارنا، وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعي
حكم التداوي بالمحرمات
التداوي من الأمراض قد يكون بأدوية مباحة، وقد يكون بأدوية محرمة. ومن الأدوية المحرمة: التداوي بالمواد المسكرة، أو المخدرة، أو التداوي بالذهب أو الفضة في حق الرجال، أو بلبس الحرير في حقهم كذلك، أو اتخاذ الأدوية النجسة أو الخبيثة، أو التداوي بسماع الغناء والمعازف، أو بالسم أو ما اشتمل عليه، أو نحو ذلك.
وفي البداية أقرر اتفاق الفقهاء على حرمة التداوي بالمحرم مطلقًا، إذا لم تَدْعُ الضرورة إليه، بأن وجد البديل المباح الذي يغني عنه، أما إذا دعت إليه الضرورة فقد اختلف الفقهاء في حكم التداوي به على مذهبين:
? المذهب الأول: يرى أصحابه جواز التداوي بالمحرم، على تفصيل بينهم في ذلك.