فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 1363

وبما قاله الشيخ أحمد شاكر معلقًا على ما قاله الحافظ ابن كثير: (إن المسلمين لم يبلوا بهذا قط - فيما نعلم من تاريخهم - إلا في ذلك العهد، عهد التتار، وكان من أسوأ عهود الظلم والظلام، ومع هذا فإنهم لم يخضعوا له، بل غلب الإسلامُ التتار، ثم مزجهم فأدخلهم في شريعته، وزال أثر ما صنعوا، بثبات المسلمين على دينهم وشريعتهم، وبأن هذا الحكم السيء الجائر كان مصدره الفريق الحاكم إذ ذاك، لم يندمج فيه أحد من أفراد الأمم الإسلامية المحكومة، ولم يتعلموه ولم يعلموه أبناءهم، فما أسرع ما زال أثره) .

لأن الإسلام كان قويًا في النفوس، والدين قد باشرت بشاشته القلوب، لم يستطع أحد من الناس أن يحول المسلمين على ما هم عليه عن وجهتهم الشرعية، بل لقد أثر المسلمون في أولئك الغزاة، وحولوهم إلى قوة ضاربة استطاعت أن تقيم دولة إسلامية في مناطق سيبيريا، خضعت لها روسيا البيضاء، وذلت، ودفعت لها الجزية عن يد وهي صاغرة لمدة ستة قرون.

وهذا يدل على أن الخطر ليس في الانهزام العسكري، وإنما في الانهزام النفسي، عندما يسيطر اليأس والقنوط على القلوب، ويزرع الفزع في النفوس.

هذا التقسيم الخبيث لم يكن وليد لحظة، وإنما كان نتيجة عمل دؤوب، وتخطيط بعيد المدى، ومحاولات شتى، وقد مر بمراحل عدة حتى استحكمت حلقاته، وقطف أعداء الدين ثماره، وتجرع المسلمون حنظله وعلقمه.

كانت مجهودات أعداء الإسلام للوصول إلى ما وصلوا إليه تقوم على مسارات عدة:

1.المسار العسكري

المتمثل في غزو التتار لديار الإسلام، وفي الحملات الصليبية المتعددة التي توجت بالمؤامرة التي شاركت فيها جميع قوى الشر للقضاء على الدولة العثمانية، وبالحرب الصليبية في هذا العصر، بقيادة أمريكا وأذنابها.

2.المسار التشريعي

المتمثل في وضع البدائل من الدساتير والقوانين، وقد بدأ هذا المشوار بـ:

أ ."الياسق، أوالياسة"، ذلكم البرنامج الشيطاني الذي وضعه جنكيز خان.

ب . وضع الدساتير والقوانين على غرار الدستور الفرنسي وما شاكله.

3.المسار التطبيعي

وتمثل ذلك في الآتي:

أ. عقيدة الإرجاء

التي قصرت الإيمان على مجرد التلفظ بالشهادتين، أوالتصديق بالقلب، أومجرد المعرفة بالخالق.

لقد تسربت هذه العقيدة الخبيثة إلى الفرق الكلامية، نحو فرقتي الأشاعرة والماتريدية، اللتان ينتسب إليهما العديد من المسلمين، بجانب قطاع كبير يحمل نفس الفكر ويدافع ويجادل عنه من غير انتساب إليه.

على الرغم من أن عقيدة الإرجاء من البدع التي ظهرت في أول الإسلام، وأنها صنو عقيدة الخروج، لأنها ظهرت كرد فعل لها، إلا أن آثارها السلبية الكبيرة لم تظهر إلا في هذا العصر، وذلك لأسباب أهمها:

• ... ضعف العلم الشرعي.

• ... الفساد العقدي.

• ... إقصاء الإسلام عن الساحة.

• ... ضعف الوازع الديني.

• ... غلبة النعرات العرقية والوطنية.

ب. صدور كتاب من شيخ أزهري يؤصل لهذا الانفصام

من الأسباب الرئيسة التي وطأت ومهدت لهذا الانفصام، ولهذا التقسيم الجائر، صدور كتاب للشيخ المصري علي عبد الرازق في 1925م إثر سقوط الدولة العثمانية، حيث سقطت في 1924م، ندد فيه بالخلافة الإسلامية، وزعم فيه أن الإسلام ليس فيه نظام للحكم، وإنما هو عبارة عن شرائع تعبدية.

وبلغت جرأته أقصاها حيث أراد أن يؤصل لهذا التقسيم والانفصام في الدين، وطالت جرأته الخلافة الراشدة، فقد وصف الخليفة الراشد أبا بكر الصديق بأنه كان"أول ملك في الإسلام"، وأن"ملكه قام على أساس القوة والسيف"، وأن ذلك كان"أمرًا مفهومًا للمسلمين حينما كانوا يتأمرون في السقيفة عمن يولونه أمرهم".

لقد كان لصدور هذا الكتاب أثر سيء، حيث تلقف ما جاء فيه من مزاعم وشبه أعداء الإسلام، لأنهم وجدوا فيه ضالتهم المنشودة، وكأن لسان حالهم يقول:"وشهد شاهد من أهلها"، و"وجدناها وجدناها".

لقد رد على هذه المزاعم الباطلة عدد من الذابِّين عن دينهم، منهم على سبيل المثال محمد ضياء الدين الريس في كتابه"الإسلام والخلافة في العصر الحديث"، وكتاب"النظريات السياسية الإسلامية"لمحمد ضياء الدين أيضًا.

على الرغم من أن الدولة العثمانية كانت عليها مآخذ، أهمها:

1.الفساد العقدي الذي كان متمثلًا في الممارسات الشركية وعدم الحد من ذلك.

2.الفساد الإداري.

3.الظلم الذي طال بعض الرعية.

وقد حدث ذلك واستشرى في عهد شيخوختها وهرمها، أما إيجابياتها فكثيرة جدًا، منها:

1.الفتوحات التي قام بها السلاطين الأوائل في شرق أوربا وغيرها.

2.حصر الدولة الصفوية الرافضية من التوسع والانتشار.

3.توحيد كل البلاد الإسلامية في دولة واحدة، وإن خرجت بعض الجيوب منها عمليًا، ولكنها كانت تدين لها اسميًا.

4.الأضرار التي لحقت بالأمة بعد سقوطها لا تساوي شيئًا بالنسبة لتلك المفاسد العظيمة التي أعقبت سقوطها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت