فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 1363

2.وجهلة مغفلون منهزمون، أوتوا من تأثرهم بالمصطلحات والشعارات التي يرفعها أعداء الإسلام، هذا بجانب الانهزام النفسي، والاستكانة، والتقليد للكفار، فطالما أضحت النصرانية عبارة عن علاقة أخروية لا علاقة لها بشؤون الحياة الدنيا فما الذي يحول بيننا وبين ما صنعوا؟!

ولظنهم أن الإسلام السياسي هو من اختراع وخيال الجماعات الإسلامية، ولا أصل له في الإسلام، وذلك لغياب تحكيم شرع الله في كثير من البلاد منذ أمد بعيد.

والصنف الثاني هم الذي يعنينا شأنهم، أما الكفار والمنافقون فقد حدد الله عز وجل العلاقة بينهم وبين المؤمنين عند نزول قوله تعالى:"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ".

الإسلام كل لا يتجزأ، فمن جحد أي أمر مما ثبت عن الله ورسوله مهما كان هذا الأمر، دعك عن تحكيم شرع الله، فقد كفر:"فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا".

"أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ".

"وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ".

ما أسرع ما ينسى الناس أويتناسوا!!

كان الإسلام هو المنظم لجميع شؤون الحياة، سياسيًا، واقتصاديًا، واجتماعيًا - مع قصور في جوانب عدة - حيث لا يوجد تشريع غيره، إلى أن تآمر أعداء الإسلام من اليهود، والنصارى، والمنافقين، وقضوا على الدولة العثمانية في 1924م، ومن ثم تقسيمها إلى دويلات صغيرة بحدود سياسية وهمية، متكلفة، واستعمار الكفار لها، بعد ذلك أقصي الإسلام عن الساحة، وحصر في دائرة الأحوال الشخصية"فقه الأسرة"، ووضعت دساتير على غرار دساتير الكفار في فرنسا وغيرها، وأنشئت المحاكم التي تحكم بما يناقض شرع الله، وعمل الكفار على مسخ الأمة الإسلامية عقديًا، وسياسيًا، وأخلاقيًا، وعلى انسلاخها عن دينها عن طريق التعليم غير المرشَّد، والإعلام الإباحي.

هذا بجانب ما أحدثه التتار حينًا من الدهر، وإن اقتصر عليهم هم ولم يجاريهم في باطلهم هذا أحد من أهل الإسلام.

قال المقريزي رحمه الله في"الخطط"وهو يؤصل لمصلطح السياسة الذي ابتلي به المسلمون في هذا العصر:(واسمع الآن كيف نشأت هذه الكلمة، حتى انتشرت بمصر والشام، وذلك أن جنكيز خان القائم بدولة التتار في بلاد الشرق، لما غلب الملك"أونك خان"، وصارت له الدولة، قرر قواعد وعقوبات، أثبتها في كتاب سماه"ياسة"، ومن الناس من يسميه"ياسق"، والأصل في اسمه"ياسة"، ولما تم وضعه كتب ذلك نقشًا في صفائح الفولاذ، وجعله شريعة لقومه، فالتزموه بعده، حتى قطع الله دابرهم.

وكان جنكيز خان لا يتدين بشيء من أديان أهل الأرض، كما تعرف هذا إن كنت أشرفت على أخباره، فكان"الياسة"حكمًا بتًا في أعقابه، لا يخرجون عن شيء من حكمه.

ثم قال بعد ذكر أمثلة من سخافات هذه"الياسة": وجعل حكم"الياسة"لولده"جقتاي بن جنكيز خان"، فلمامات التزم من بعده من أولاده وأتباعهم حكم"الياسة"، كما التزم أول المسلمين حكم القرآن، وجعلوا ذلك دينًا لم يعرف عن أحد منهم مخالفته) .

مما يدل على أن التغيير الذي أحدثه جنكيز خان، على الرغم من خطورة ما جاء به، وأنه لأول مرة في تاريخ الإسلام يُسن قانون على أنقاض الإسلام، إلا أن أثر ذلك كان محدودًا، لم يتعد هذه الفئة، فظل المسلمون على ما كانوا عليه، إلى أن صرف الله هؤلاء القوم عن ديار الإسلام، ما قاله الحافظ ابن كثير في تاريخه، مبينًا أن التحاكم لغير شرع الله بسن قوانين من وضع البشر كفر بواح مخرج عن الملة، وممثلًا لذلك بما وضعه جنكيز خان وألزم به أتباعه:

(وكما كان يحكم به التتار من السياسات الملكية، المأخوذة من ملكهم"سنكز خان"الذي وضع لهم"الياسق"، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام اقتبسها من شرائع شتى، من اليهودية، والنصرانية، والملة الإسلامية، وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير.

ثم قال: فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى"الياسا"وقدمها عليه؟! من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت