عندما حبس خالد بن برمك وولده قال: يا أبت، بعد العز صرت في القيد والحبس؟ فقال له: يا بني، الذي حبسنا دعوة مظلوم ظلمناه، سرت بليل ونحن عنها غافلين، ولكن الله تعالى لم يغفل عنها.
قال الحافظ ابن كثير بعد أن ساق ما أصاب البرامكة من الذل والهوان بعد العز والإكرام:(وكان الناس ينبذونهم بعد التسابق على أبوابهم، ويعتلونهم بعد الاستئناس بهم، فهل من مدكر بما حصل؟ وهل يعرف الناس قدر الدنيا، فيتقوا الله تعالى في أنفسهم، وفي أهليهم، وفي جيرانهم، وفي مجتمعهم، ويتورع القوي من ظلم الضعيف؟
توق دعا المظلوم إن دعاءه ليرفع فوق السحب ثم يجاب
توق دعا من ليس بين دعائه وبين إله العالمين حجاب
ولا تحسبن الله مطرحًا له ولا أنه لا يخفى عليه خطاب
فقد صح أن قال وعزتي لأنصرن المظلوم وهو مئاب
فمن لم يصدق ذا الحديث فإنه جهول وإلا عقله فمصاب).
أخرج ابن عبد الحكم من رواية أبي حبيب قال: (وكان رجل ممن كان يخرج مع عمرو بن العاص حين خرج من الشام إلى مصر أصيب جمله، فأتى عمرًا يستحمله، فقال عمرو: تحمل مع أصحابك حتى نبلغ العامر، فلما بلغوا العريش جاء فأمر له بجملين، ثم قال له: لن تزالوا بخير ما رحمتكم أئمتكم، فإذا لم يرحموكم هلكوا وهلكتم) .
فالعدل واجب مع المسلم والكافر، وفي السخط والرضا، كما أن ذكر الله واجب بالقول والجنان.
رابعًا: الفساد الخلقي
الفساد الخلقي هو صنو الفساد العقدي، وهو سبب من أسباب الخذلان.
قدم وفد على عمر بن الخطاب بفتح، فقال: متى لقيتم عدوكم؟ قالوا: أول النهار؛ قال: فمتى انهزموا؟ قالوا: آخر النهار؛ فقال: إننا لله! أوقام الشرك للإيمان من أول النهار إلى آخره!! والله إن كان هذا إلا عن ذنب أحدثتموه بعدي، أوأحدثته بعدكم، ولقد استعملت يَعْلى بن أمية على اليمن أستنصر لكم بصلاحه.
فالمعاصي بريد الكفر.
لقد انتشر الفساد الخلقي، فقد خرجت النساء كاسيات عاريات، واختلطن بالرجال في المدرجات، والحافلات، والاحتفالات، وانتشرت الملاهي، واستحل الغناء والموسيقى، بل أقيمت إذاعات خاصة للسماع بنوعيه الصوفي وغيره، وزينت الشوارع والمحال بالصور العاريات.
فإذا أردنا النصر على الأعداء فلابد من إيقاف هذا كله، ونهي الناس عن ذلك، وردع المصرين عليه، وحبس القائمين عليه.
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
عندما سئل مالك عن الغناء قال: إنما يفعله عندنا الفساق؛ وقال عنه أحمد: ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل؛ وقد أجمعت الأمة على تحريمه، ونقل الإجماع العديد من أهل العلم، منهم ابن القيم، ومنهم ابن حجر الهيثمي، والطرطوشي المالكي، وغيرهم كثير.
ولهذا فلا يلتفت لبعض الزلات والهفوات التي صدرت من بعض أهل العلم، كابن حزم، وكالصوفية في إباحة السماع الصوفي، الذي هو أشد حرمة من الغناء، لأنهم يظنون أنه يقربهم إلى الله، وهو يباعد بينهم وبين الله، ويبغِّضهم إلى الله عز وجل.
خامسًا: الخوض في مال الله بغير حق
ويتمثل ذلك في أمرين، هما:
1.عدم محاسبة المتعدين على المال العام محاسبة شديدة صارمة.
2.عدم ترشيد الإنفاق، نحو:
• ... الإنفاق على دواوين الحكومة وبعض مؤسساتها.
• ... الاحتفالات السنوية العديدة.
• ... الإسراف في الإنفاق على مؤتمر الأفارقة الفائت هذا، وعلى الخرطوم عاصمة الثقافة.
رحم الله عمر بن الخطاب، الذي حج عشر حجات، وكان منزله تحت ظل شجرة، وفي موسم من المواسم قال لغلامه: كم أنفقنا في هذا الموسم؟ قال له: سبعة عشر درهمًا؛ فقال له: ويحك، لقد أنهكنا بيت مال المسلمين!
وعندما جاء الشعراء المداحون بعد تولية عمر بن عبد العزيز الخلافة حجبهم عنه، ولم يسمح إلا لجرير بعد شفاعة رجاء بن حيوة فيهم، فدخل ومدحه بقصيدة، وقال له: لا أجد لك في بيت المال حقًا، ولكن أملك مائتي درهم أعطيك نصفها.
وتذكروا أيها الحكام قول نبيكم:"ربَّ متخوض في مال الله اليوم له النار غدًا".
هل تعلمون أيها المسؤولون أن ورثة الخليفة عمر بن العزيز كانت سبعة عشر دينارًا لا غير؟!
سادسًا: مراقبة وسائل الإعلام
من المصائب التي جرتها اتفاقية نيفاشا المشؤومة والدستور العلماني على الإسلام وأهله في السودان أن فتح المجال للكفار والمنافقين والمفسدين في الأرض، الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا في سائر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، فقد أضحى يعرض ويكتب ويشاهد في تلك الوسائل من الكفر البواح، نحو إباحة الردة، وإنكار حدها، وتمجيد الزنادقة، والاحتفاء بذكرى إقامة الحد عليهم، محمود محمد طه مثلًا، والدعوة إلى الرذيلة المتمثلة في بث المسلسلات، ونشر الصور العاريات، والمجلات الفاضحات، وشغل الوسائل السمعية والمرئية بالأغاني والسماع الصوفي، وكلها من الكبائر المحرمات.
كل هذا يحدث على مرأى ومسمع من المسؤولين، بغير رقابة ولا محاسبة.