فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 1363

روى الخطيب البغدادي بسنده إلى محمد بن القاسم بن خلاد قال: (قال ابن أبي ذئب للمنصور: يا أمير المؤمنين قد هلك الناس، فلو أعنتهم بما في يدك من الفيء؟ قال: ويلك، لولا ما سددت من الثغور، وبعثتُ من الجيوش، لكنتَ تؤتى في منزلك وتذبح، فقال ابن أبي ذئب: فقد سد الثغور، وجيَّش الجيوش، وفتح الفتوح، وأعطى الناس أعطياتهم من هو خير منك؛ قال: ومن هو، ويلك؟ قال: عمر بن الخطاب؛ فنكس المنصور رأسه، والسيف بيد المسيب، والعمود بيد مالك بن الهيثم، فلم يعرض له، والتفت إلى محمد بن إبراهيم الإمام، فقال: هذا الشيخ خير أهل الحجاز) .

ولهذا كان الإمام أحمد يفضله ويقدمه على مالك، لتقدمه عليه في الأمر والنهي.

ومن الذين كانوا يتبنون مصالح العامة ويدافون عنها، ويعملون على رفع الظلم عن المظلومين، والمعاناة عن الفقراء والمساكين، الإمام الأوزاعي.

فقد كتب مرة للخليفة المهدي العباسي: أن المرتبات التي تصرفها الدولة لأهل ساحل الشام المرابطين لا تفي بحاجاتهم الضرورية، مع أنهم يقفون على ثغور الإسلام البحرية المطلة على البحر الأحمر.

كذلك كتب للمهدي عندما غلت الأسعار بمكة، وكان وليًا لعهد أبيه المنصور، يطلب إعانتهم وإلا هلكوا جوعًا، مذكرًا له بما كان يقوم به عمر بن الخطاب عام الرمادة عندما حلت المجاعة بالمسلمين، إذ كان إدامه الزيت مثل العامة، وكان يخاطب نفسه عندما كانت تغرغر من الجوع قائلًا: غرغري ما تغرغرين، والله لا تأكلين إلا كما يأكل الناس.

كذلك لما أجلى صالح بن علي المتوفى 151هـ والي الشام لبني العباس نصارى أهالي جبل لبنان بجريرة بعضهم، كتب إليه الأوزاعي قائلًا: (كيف تؤخذ عامة بذنوب خاصة، حتى يُخرجوا من ديارهم وأموالهم، وحكم الله تعالى:"وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى"، وهو أحق ما وقف عنده واقتدي به، وأحق الوصايا أن تحفظ وترعى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه قال:"من ظلم معاهدًا، أوكلفه فوق طاقته فأنا حجيجه") .

كذلك ممن عنوا بمصالح الضعفاء والفقراء من المسلمين وغيرهم القاضي أبو يوسف، تلميذ الإمام أبي حنيفة، فهو (ممن اهتم بالمستضعفين من الفلاحين، ودافع عنهم، وطالب بتحقيق العدالة في معاملتهم، ومحاسبة الجباة إذا أساءوا إليهم، وذلك في كتاب"الخراج"الذي ألفه للخليفة العباسي هارون الرشيد) .

وممن عنوا بهذا الأمر كذلك الحافظ ابن كثير، صاحب التاريخ والتفسير، المتوفى 774 هـ، عندما وقف في مواجهة المرسوم السلطاني بمصادرة أملاك أهل الذمة داخل البلاد، انتقامًا لما صنعه الفرنج في هجومهم على الإسكندرية 767 هـ، فنصح ابن كثير السلطان بتعطيل القرار لمخالفته الشريعة، والتزم السلطان به.

ومن الذين كانوا يعملون لرفع الظلم عن العامة العز بن عبد السلام، عندما داهم التتار بلاد الشام (ضاقت بالسلطان وعساكره الأرض، استشاروا الشيخ عز الدين رحمه الله، فقال: اخرجوا وأنا ضامن لكم على الله النصر؛ فقال السلطان: إن المال في خزائني قليل، وأنا أريد أن أقترض من أموال التجار؛ فقال له الشيخ عز الدين: إذا أحضرتَ ما عندك وعند حريمك، وأحضر الأمراء ما عندهم من الحلي الحرام، وضربته سكة ونقدًا، وفرقته في الجيش، ولم يقم بكفايتهم، ذلك الوقت اطلب القرض، أما قبل ذلك فلا؛ فأحضر السلطان والعسكر كلهم ما عندهم من ذلك بين يدي الشيخ، وكان الشيخ له عظمة عندهم وهيبة، بحيث لا يستطيعون مخالفته، فامتثلوا أمره، فانتصروا) .

الذي مكن العلماء من القيام بهذا الواجب العظيم احترام وتقدير الحكام لهم، وتقريبهم منهم، لا كما يفعل حكامنا اليوم، فهم مقربون للعلمانيين، ومبعدون للعلماء الشرعيين، إلا لمن انصهر في بوتقتهم، ودافع وبرر لكل ما يقومون به.

ولخطورة الظلم وضرره المتعدي على العامة والخاصة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن الله لينصر الدولة الكافرة العادلة على الدولة المسلمة الظالمة.

الأمور التي ينبغي للدولة أن تعيد فيها النظر، لرفع المعاناة والظلم عن العامة كثيرة، ولكن في مقدمتها ما يأتي

1.فئات الضرائب، سيما على محدودي الدخل، مما يدخلها في دائرة المكوس المحرمة شرعًا.

2.فئات"الجمارك"، فهي باهظة جدًا، مما يدخلها كذلك في دائرة المكوس المحرمة شرعًا.

3.رسوم ترخيص السيارات الجدد، وتجديدها للخاص والتجاري على حد سواء.

4.غرامات المخالفات المرورية.

5.رسوم المياه.

6.سعر الكهرباء.

7.التعدي في أخذ الزكاة، بأخذ الزكاة من أموال لا تجب فيها الزكاة، نحو الخضر، والفواكه، والعلف، والمال المستفاد، اعتمادًا على الأقوال المرجوحة والشاذة.

8.أسعار الوقود.

هذا كله مع التشديد والتعسف في تحصيلها وإنزال العقوبات بمن عجز عنها.

أيها الحكام ارحموا من في الأرض يرحكمكم من في السماء، واحذروا دعوة المظلوم التي تفتح من أجلها السماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت