فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 1363

فالواقع إن كان مخالفًا للشرع فيجب على الحكام إزالته، وإن لم يستطيعوا إزالته فأضعف الإيمان أن لا يرعوه ماديًا ولا معنويًا بالمشاركة في الحوليات، والموالد، ونحوها، وأكبر شاهد على ذلك شهود كبار المسؤولين لحولية البرعي في قاعة الصداقة قبل أيام.

إن من أوجب واجبات الحاكم حماية جناب التوحيد، ومحاربة الابتداع في الدين، وهذا قبل الأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة:"الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ".

ولا يظنن متوهم كما سبق أن هذا ليس وقت مناصحة، إذ المناصحة ليس لها وقت، فهي تتعين إذا حدث ما يوجبها، فلا يصح تأخير البيان عن وقت الحاجة.

في موقعة شقحب:(لما جاء السلطان - إليها - لاقاه شيخ الإسلام ابن تيمية، وجعل يشجعه ويثبته، فلما رأى السلطان كثرة التتار، قال: يا لخالد بن الوليد!

فقال له شيخ الإسلام: لا تقل هذا، بل قل: يا الله! واستغث بالله ربك، ووحِّده وحده تنصر، وقل: يا مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين! وما زال يطل تارة على الخليفة المستكفي بالله، وتارة على الملك الناصر بن قلاوون، ويهدئهما، ويربط جأشهما، حتى جاء نصر الله والفتح، وقال للسلطان: أنت منصور فاثبت!

فقال له بعض الأمراء: قل إن شاء الله؛ فقال: إن شاء الله تحقيقًا، لا تعليقًا! فكان كما قال).

وكذلك نصح شيخ الإسلام لبعض القبوريين في بداية هجوم التتار على الشام، حيث قال قائلهم:

يا خائفين من التتر لوذوا بقبر أبي عمر

لوذوا بقبر أبي عمر ينجيكم من الخطر

فقال له شيخ الإسلام: والله لو كان أبو عمر حيًا لما استطاع أن يفعل شيئًا ونحن في هذا الفساد العقدي والخلقي وعدم الاستعداد؛ فأخذ ينصح، ويوجه، ويحض على القتال والجهاد، حتى نصرهم الله على الأعداء.

فإذا كان شيخ الإسلام نصح للخليفة الحاكم في حال القتال ومواجهة العدو فكيف بمن سواه في حال الأمن أوالخوف؟!

ب. ظلم أصغر

وهو ظلم العباد بعضهم لبعض، وهو قسمان:

• ... قسم صادر من ولاة الأمر.

• ... وقسم صادر من العامة على بعضهم.

وكلاهما يجب رده والتخلص منه.

والظلم الصادر من ولاة الأمر أخطر على العباد والبلاد من ظلم بعضهم لبعض، ولهذا يجب على ولاة الأمر من العلماء أن ينصحوا فيه للحكام، ويكرروا فيه النصح، ولا ييأسوا من ذلك.

يتمثل ظلم ولاة الأمر للرعية في الآتي

• ... فرض الضرائب والرسوم الباهظة

لا شك أنه يجوز لولي الأمر أن يفرض رسومًا على المستطيعين إذا دعى الحال، ولم تف موارد الدولة لحماية الثغور وصد العدو الصائل خاصة، وللقيام بالخدمات العامة، بشروط:

1.أن لا يكون فيها إجحاف على الرعية.

2.أن تفرض على المستطيعين دون الفقراء.

3.أن يجتهد في ترشيد ما لديه من أموال.

4.أن يبدأ بنفسه إن كانت له أرصدة أوكانت له ممتلكات وعقار، فعليه أن يبيعها، فإن لم تف بعد التدبير، والإرشاد، والاقتصاد على الضروريات، جاز أن يفرض ما يمكنه من القيام بالواجبات.

5.أن لا تكون هذه الرسوم ثابتة، وفي ازدياد مضطرد، ولكن حسب الحال.

قال إمام الحرمين:(فإذا مست الحاجة إلى استمداد نجدة الدين وحرسة المسلمين من الأموال، ولم يقع الاجتزاء والاكتفاء بما يتوقع على المغيب من جهة الكفار، وتحقق الاضطرار في إدامة الاستظهار، وإقامة حفظ الديار، إلى عون من المال مطرد دار، ولو عين الإمام أقوامًا من ذوي اليسار، لجر ذلك حزازات في النفوس.. وإذا رتب على الفضلات والثمرات والغلات قدرًا قريبًا، كان طريقًا في رعاية الجنود والرعية مقتصدة مرضية.

ثم إذا اتفقت مغانم، واستظهر بأخماسها بيت المال، وغلب على الظن اطراد الكفاية، إلى أمد مظنون ونهاية، فيغض حينئذ وظائفه، فإنها ليست واجبات توقيفية، ومقدرات شرعية، وإنما رأيناها نظرًا إلى الأمور الكلية، فمهما استظهر بيت المال واكتفى، حط الإمام ما كان يقتضيه وعفا، فإن عادت مخايل حاجة، أعاد الإمام منهاجه).

وعندما فرض أحد حكام المماليك رسومًا على العامة لمد الجنود وسد الثغور، اعترض عليه الإمام النووي قائلًا: عندك الكثير من العقار والبساتين، بع هذه، فإن لم تف بحاجة الجند فافرض على العامة.

من أوجب الواجبات على أهل العلم نصحهم لولاة الأمر، وسعيهم لرفع الظلم عن المظلومين من الرعية، إذ السكوت عن ذلك من المهالك الردية.

لم يقتصر دفاع العلماء على المسلمين، بل تعداه إلى المناداة برفع الظلم حتى عن أهل الذمة الذين يعيشون في الدولة الإسلامية، ومن أشهر العلماء الذين عرفوا بذلك:

ابن أبي ذئب.

الإمام الأوزاعي.

الإمام النووي.

شيخ الإسلام ابن تيمية.

القاضي أبو يوسف.

العز بن عبد السلام.

وغيرهم كثير، من ذلك:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت