فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 1363

من عجيب أمر الحكام زعمهم أنهم مكرهون على قبول هذه التنازلات، والرضوخ لهذه الاتفاقيات والمساومات، وأقل ما يقال عن ذلك أن هذا وهم، ولو فرضنا جدلًا أنهم أكرهوا على قبول ذلك لما جاز لهم قبوله، ولو أدى إلى قتلهم، لأن الله رخص لمن خشي القتل أن يتلفظ بكلمة الكفر إن كان قلبه مطمئنًا بالإيمان:"إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ"، وحتى في هذه الحال الأولى الأخذ بالعزيمة، كما أخذ بها بلال، وعبد الله بن حذافة السهمي، وحبيب بن زيد الذي قطعه مسيلمة لعنه الله إربًا إربًا ليقول: أشهد أن مسيلمة رسول الله، فأبى، وآثر القتل والتقطيع على التلفظ بهذه الكلمة، وغيرهم كثير.

وإذا كان لا يحل للمكره المهدد بالقتل أن يُقدِم على الزنا لما فيه من المفاسد المتعدية، ولا أن يفدي نفسه بالإقدام على قتل مسلم، فكيف يحل لحاكم أن يفدي نفسه دعك عن كرسيه بدين الله عز وجل وبمصالح الأمة كلها؟!

ومن عجائب الاستدلال على هذا السلوك الخاطئ المشين استدلال البعض بما حل بحكومة الطالبان!! فما حل بحكومة الطالبان وبأفغانستان من الدمار، والقتل، وإشاعة الرعب والفاحشة في الذين آمنوا مسؤولية حكام المسلمين عامة، وحكام باكستان خاصة، لخذلانهم لدين الله ولإخوانهم وجيرانهم المسلمين، حيث فتحوا أجواءهم للغزاة الغاشمين، وتجسسوا على إخوانهم من المسلمين، فباءوا بغضب الله، والملائكة، والناس أجمعين.

أما الطالبان فقد طبقوا شرع الله وحكموا به لمدة سبع سنوات، لم يتنازلوا ولم يساوموا ليبقوا في الحكم، فقد أدوا الواجب وثبتوا على الحق، ولم يستكينوا كما استكان غيرهم وأصابهم ما أصاب الطالبان وزيادة.

ثم أين هؤلاء من موقف مهاجرة الحبشة، جعفر وصحبه، مع قلتهم وضعفهم واضطرارهم، عندما أراد عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة - وكانا وقتها مشركَيْن - أن يكيدا بهم، وأن يوقعا بينهم وبين النجاشي، ثبتوا ولم يتنازلوا قط، وذلك عندما أرسلتهما قريش بهدايا ثمينة للنجاشي وبطارقته، ليُسْلِم المهاجرين إليهم، أويطردهم ولا يأويهم في بلده.

فقالا:"أيها الملك، إنه قد صبأ إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت".

إلى أن قالت أم سلمة راوية هذه القصة:"ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض، ماذا تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما عَلِمْنَا، وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم، كائن في ذلك ما هو كائن".

وهذا هو الشاهد من تلك القصة.

وعندما لم تجدِ هذه المكيدة فكر عمرو بن العاص في مكيدة أخرى أشد من الأولى، كما قالت أم سلمة عندما أقر النجاشي بما جاء به ودعا إليه محمد وأصحابه قائلًا:"إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكم أبدًا"، فقال عمرو بن العاص:"والله لآتينه غدًا أعيبهم عنده بما أستأصل به خضراءهم".

قالت:"ثم غدا عليه من الغد فقال له: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه؛ قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه، قالت: فلم ينزل بنا مثلها، فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ما تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله فيه ما قال فيه الله عز وجل، وما جاء به نبينا، كائن في ذلك ما هو كائن".

أبعد هذه المواقف، والثبات على المبادئ، يجيز أحد من الحكام يؤمن بالله واليوم الآخر لنفسه أن يتنازل عن شيء من شرع الله، أويتخلى عنه بسلوك طريق الموازنات والتنازلات، الذي جر على الأمة كل الويلات، أكثر هذه الاتفاقات وبالًا على الإسلام والمسلمين اتفاقية كامب ديفيد، وأوسلو، ونيفاشا، تلك الاتفاقات المشؤومة المجحفة الظالمة، التي أزالت الحواجز النفسية بين الكفار والمسلمين، وجرأت أعداء الله على الأمة ومكتسباتها.

لو لم يكن لاتفاقية نيفاشا إلا فتنة دارفور لكفاها سوءًا، إذ هي ثمرة خبيثة من ثمارها.

ثالثًا: رد المظالم

إذا أرادت الأمة الخروج من هذا النفق المظلم، والتخلص من تلك الفتن العمياء، والدواهي الصماء التي حلت بنا بما كسبت أيدينا، ينبغي علينا رد المظالم والتخلص منها، رعاة ورعية.

والظلم ظلمان:

أ. ظلم أكبر

وهو الشرك:"يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ"، وهو أن يتخذ المرء مع الله ندًا يصرف إليه شيئًا من العبادة، كالدعاء الذي هو مخ العبادة وأسها، والاستغاثة، والذبح، والنذر، والتحاكم لغير شرع الله، المتمثل في إقرار دستور السودان لسنة 1426هـ.

لقد كثرت الممارسات الشركية في بلادنا، وتبنت الدولة، واحتضنت، ومولت، ومدت كثيرًا منها، إن رغبًا أورهبًا، وبعلل عليلة، نحو كسب أتباعهم، أوبأن ذلك كان واقعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت