فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 1363

ولهذا قال الفضيل بن عياض رحمه الله كما روى عنه عبد الصمد بن يزيد البغدادي:"لو أن لي دعوة مستجابة ما صيرتها إلا في الإمام؛ قيل له: وكيف ذلك يا أبا علي؟ قال: متى صيرتها في نفسي لم تحزني، ومتى صيرتها في الإمام فصلاحه صلاح العباد والبلاد؛ قيل: وكيف ذلك يا أبا علي؟ فسر لنا هذا؛ قال: أما صلاح البلاد فإذا أمن الناسُ ظلم الإمام عمروا الخرابات ونزلوا الأرض، وأما العباد فينظر إلى قوم من أهل الجهل، فيقول: قد شغلهم طلب المعيشة عن طلب ما ينفعهم من تعلم القرآن وغيره، فيجمعهم في دار خمسين خمسين، أقل أوأكثر، يقول للرجل لك ما يصلحك، وعلم هؤلاء أمر دينهم، وانظر إلى ما أخرج الله عز وجل من فيهم مما يزكي الأرض فرده عليهم، قال: فكان صلاح العباد والبلاد؛ فقبَّل ابن المبارك جبهته وقال: يا معلم الخير، من يحسن هذا غيرك؟".

وحاجة ولاة الأمر من الحكام خاصة للنصيحة في هذا العصر الذي تكالبت فيه قوى الشر والعدوان على الإسلام والمسلمين من كل جانب، وعزموا على القضاء عليه وعلى مسحه وطمسه، وشرعوا في غزو دوله دولة دولة، لا تدانيها حاجة.

ولا تظنن أخي الكريم أن هذا ليس وقتًا للنصيحة، إذ النصيحة ليس لها وقت، فهي واجبة في كل وقت وحين، سيما عند نزول المصائب، وحلول الفتن.

قبل البدء في المقصود أود التذكير بهذه السنن الشرعية التي لا تتغير ولا تتبدل، وكلها مقررة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهي:

أولًا: أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم:"إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ".

ثانيًا: أن النصر من عند الله:"وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ"، فعلينا أن نستمده منه وألا نتكل على أنفسنا وقوتنا:"وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا".

ثالثًا: أن نصر المؤمنين على أعدائهم مشروط بنصرهم لربهم ولدينهم:"إِن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ".

رابعًا: لابد من الأخذ بالأسباب:"وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ".

خامسًا: أن المسلمين في جميع غزواتهم وحروبهم مع الكفار التي انتصروا فيها لم يكونوا متفوقين على الكفار لا في عددهم ولا في عتادهم.

سادسًا: أن الجهاد هو طريق النصر لهذه الأمة، إذ لا يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها، وكان صلاح أولها بالغزو والجهاد، ولذلك لقب نبيها بنبي الملحمة، فما كان يرجع من غزوة إلا وهو يستعد لأخرى، وقد تخللت غزواته السبعة عشرة حوالي خمس وثلاثون سرية، وقال:"وجعل رزقي تحت ظل سيفي".

سابعًا: أن الله سبحانه وتعالى لا يصلح عمل المفسدين مهما زينوه وزخرفوه.

ثامنًا: أن التوبة النصوح تجب ما قبلها.

تاسعًا: أن الغاية في الإسلام لا تبرر الوسائل، فالوسائل الخبيثة المحرمة لا يمكن أن تكون وسيلة إلى خير قط.

عاشرًا: أن الله عز وجل حرم الظلم على نفسه وجعله بيننا محرمًا، كما جاء في الحديث القدسي الذي رواه أبو ذر:"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا".

وعليه، فإذا قررنا وعزمنا على النصر على الأعداء، والدفع عن ديننا، وأرضنا، وحريمنًا، وثرواتنا، وتحرير ديارنا، وقراراتنا، والانعتاق من الاستكانة والخضوع للكفار، فلابد من رفع علم الجهاد، والعمل والاستعداد ليوم المعاد، رجاء إحدى الحسنيين، الشهادة، أوالنصر والغنيمة، هذا هو الطريق الذي لا سبيل سواه إلا بُنَيَّات الطريق.

سلوك هذا الطريق يحتم علينا حكامًا ومحكومين الآتي:

أولًا: التوبة النصوح من جميع الذنوب والآثام

والندم على ما فات، والعزم على أن لا نعود إليه، فما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة نصوح، كما قال العباس رضي الله عنه عندما خرج يستسقي للمسلمين.

ثانيًا: الحذر من سياسة الموازنات والتنازلات

فقد جرت على الأمة الويلات والدمار، وجرَّأت عليهم الكفار، حيث غفل الساسة عن قول ربهم عز وجل:"وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ".

علينا أن نعلم جميعًا أننا بين أمرين لا ثالث لهما: الثبات على ديننا الذي تركنا عليه نبينا صلى الله عليه وسلم، العتيق لا المبدل المحرف، مهما كانت النتائج، أوالتخلي عنه بالكلية، الجالب لخزي الدنيا وعذاب الآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت