والقولان مضران بالمرأة أيما إضرار، وحارمان لها من الزواج، وقد نهى الشارع عن الضرر والإضرار، فقال:"لا ضرر ولا ضرار"، ولهذا فقد أوجب أهل العلم إزالة الضرر عن المتضرر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:(الصواب في امرأة المفقود مذهب عمر وغيره من الصحابة، وهي أنها تتربص أربع سنين، ثم تعتد للوفاة، ويجوز لها أن تتزوج بعد ذلك، وهي زوجة الثاني ظاهرًا وباطنًا، ثم إذا قدم زوجها الأول بعد تزوجها، خيِّر بين امرأته وبين مهرها، ولا فرق بين ما قبل الدخول وبعده، وهو ظاهر مذهب أحمد.
إلى أن قال: والتخيير فيه بين المرأة والمهر هو أعدل الأقوال).
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله:(ومما ظن أنه خلاف، ما حكم به الخلفاء الراشدون في امرأة المفقود، فإنه قد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه أجَّل امرأته - أي المفقود - أربع سنين، وأمرها أن تتزوج - أي بعد عدة الوفاة - فقدم المفقود بعد ذلك فخيَّره عمر بين امرأته وبين مهرها، فذهب الإمام أحمد إلى ذلك، وقال: ما أدري من ذهب إلى غير ذلك إلى أي شيء يذهب؛ وقال أبو داود في مسائله: سمعت أحمد - وقيل له: في نفسك من المفقود؟ فقال: ما في نفسي منه شيء، هؤلاء خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمروها أن تتربص؛ قال أحمد: من ضيق علم الرجال أن لا يتكلم في امرأة المفقود.
وقد قال بعض المتأخرين من أصحاب أحمد: إن مذهب عمر في المفقود يخالف القياس، والقياس أنها زوجة القادم بكل حال.
وطائفة ثالثة أخذت ببعض قول عمر وتركوا بعضه، فقالوا: إذا تزوجت ودخل بها الثاني فهي زوجته، ولا ترد إلى الأول، وإن لم يدخل بها ردت إلى الأول).
وقال الماوردي رحمه الله وهو يتحدث عن امرأة المفقود وعدتها:(فأما زوجته إذا بعد عهده، وخفي خبره، ففيها قولان:
أحدهما: أنها تتربص أربع سنين بحكم حاكم ثم بحكم موته في حقها خاصة، ثم تعتد عدة الوفاة، أربعة أشهر وعشرًا، فإذا انقضت فقد حلت للأزواج، وهو قوله - أي الشافعي - في القديم، وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم؛ ومن الفقهاء: مالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، إلا أن مالكًا فرَّق بين خروجه ليلًا ونهارًا، فجعله مفقودًا إذا خرج ليلًا دون النهار.
ووجه هذا القول قول الله تعالى:"ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا"، وفي حبسها عليه في هذه الحال إضرار وعدوان.
وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى أن امرأة أتت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقالت: إن زوجي خرج إلى مسجد أهله وفقد؛ فأمرها عمر أن تتربص أربع سنين، فتربصت، ثم عادت، فقال لها: اعتدي أربعة أشهر وعشرًا؛ ففعلت ثم عادت، فقالت: قد حللت للأزواج؛ فتزوجت، فعاد زوجها فأتى عمر، فقال: زوجتَ امرأتي؟! فقال: وما ذاك؟ فقال: غبتُ أربع سنين فزوجتها؛ فقال: يغيب أحدُكم أربع سنين في غير غزاة ولا تجارة، ثم يأتيني فيقول: زوجتَ امرأتي؟! فقال: خرجتُ إلى مسجد أهلي فاستلبني الجن، فمكثت معهم فغزاهم جن من المسلمين، فوجدوني معهم في الأسر، فقالوا: ما دينك؟ قلت: الإسلام؛ فخيروني بين أن أكون معهم وبين الرجوع إلى أهلي، فاخترت الرجوع إلى أهلي، فسلموني إلى قوم، فكنت أسمع بالليل كلام الرجال وأرى بالنهار مثل الغبار، فأسير في أثره حتى هبطت عندكم؛ فخيَّره عمر بين أن يأخذ زوجته وبين أن يأخذ مهرها.
وروى عاصم الأحول عن عثمان قال: أتت امرأة عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه فقالت: استهوت الجن زوجها؛ فأمرها أن تتربص أربع سنين، ثم أمر ولي الذي استهوته الجن أن يطلقها، ثم أمرها أن تعتد أربعة أشهر وعشرًا، وهذه قضية انتشرت في الصحابة، وحُكم بها عن رأي الجماعة، فكانت حجة، ولأن الفسخ لما استحق بالعُنَّة، وهو فقد الاستمتاع مع القدرة على النفقة، واستحق بالإعسار وهو فقد النفقة مع القدرة على الاستمتاع، فلأن تستحق بغيبة المفقود، وهو جامع بين فقد الاستمتاع وفقد النفقة أولى.
والقول الثاني: أنها باقية على الزوجية، محبوسة على قدوم الزوج، وإن طالت غيبته ما لم يأتها يقين موته، وهو قوله - أي الشافعي - في الجديد، وبه قال من الصحابة علي بن أبي طالب، ومن الفقهاء أبوحنيفة والعراقيون، ووجهه ما رواه سوار بن مصعب عن محمد بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها الخبر"، ذكره الدارقطني في سننه.
وروى ابن عباس مثل ذلك، وهو نص إن ثبت) .
ولم يثبت.
خامسًا: عدة كل فرقة في الحياة
عدة كل فرقة بين زوجين عدة الطلاق، سواء كان سبب الفرقة:
1.خُلع.
2.أولعان.
3.أورضاع.
4.أوفسخ بعيب، أوإعسار، أوإعتاق، أواختلاف دين.
5.أوزنا.
6.أوشبهة.
هذا مذهب العامة من أهل العلم، إلا بعض الخلاف في بعضها.