وزيد ثامنها الكفران منك بما سوى الإله من الأنداد قال ألها
وإذا تبين ذلك وعرفت هذه الشروط وما ذكر عليها من الأدلة تبين جواب ذلك السؤال وتبين أن من قال: لا إله إلا الله ثم عبد غير الله بدعاء أو ذبح أو نذر أن لم ينقد لحكم الله ورسوله وطبق القوانين الوضعية المستوردة من النصارى واليهود فهو مشرك بالله تبارك وتعالى الشرك الأكبر ، حيث قد نقض ما قال ، فلا يكون قوله نافعًا له ، والعلم عند الله تبارك وتعالى .
الرد على المرجئة القائلين لا يضر من الإيمان ذنب:
أما من زعم أنه بمجرد أن يقولها يكون محققًا بمعنى أن يقولها ولا ينقضها ثم بعد ذلك يفعل المعاصي والموبقات وينجو من العذاب ولو ترك الواجبات وفعل المعاصي محتجًا بالأحاديث السابقة فقد أجاب العلماء على ذلك بأجوبة متعددة منها: أن كلمة التوحيد سبب مقتض لدخول الجنة والنجاة من النار ، لكن لها شروط - أي النجاة - وهي الإتيان بالفرائض ولها موانع وهي الإتيان بالكبائر ، ولذلك قال الحسن البصري للفرزدق الشاعر لما لقيه في مقبرة فقال له يا أبا فراس ما أعددت لهذا اليوم ؟ قال الفرزدق: لا إله إلا الله منذ ثمانين سنة ، فقال الحسن: إن لـ"لا إله إلا الله"شروطًا فإياك وقذف المحصنات .
وروي عنه أنه قال: هذا العمود فأين الطنب ؟ وقيل له: إن ناسًا يقولون: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ، فقال - رحمه الله - من قال لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة وقيل لوهب بن منبه: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة ؟ قالل: بلى ، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك .
وقال آخرون: كان هذا - أي الأحاديث السابقة في أن من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة - كان قبل فرض الفرائض وقبل تشريع الحدود فلما فرضت الفرائض ونزلت الحدود أصبح ذلك إما منسوخًا أو أنه أنضم إلى لا إله إلا الله شروط وزيد عليها ، فأصبح ذلك فرضا على كل مسلم لا يكون ناجيًا إلا به ، ومن نسب له هذا القول الإمام الزهري محمد بن شهاب الزهري والإمام سفيان الثوري - رحمها الله تبارك وتعالى - وقال آخرون من أهل العلم: إن هذه الأحاديث التي فيها أن من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة نصوص مطلقة وأنها جاءت مقيدة بأن يقولها المسلم بصدق وإخلاص ، وإذا قالها بصدق وإخلاص فإن صدقه وإخلاصه يمنع الإقدام على المعصية ، فقولها بصدق تام وإخلاص تام يطهر القلب من كل الأدران والنجاسات التي هي الذنوب ويطهر القلب من الجرأة على مخالفة أمر الله ورسوله ، فيكون العبد بذلك مطيعًا لله تبارك وتعالى .
أما من قالها وركب المعاصي فصدقه ناقص وإخلاصه ناقص وهو متبع لهواه ، وهذا هو أصح الأقوال ، والعلم عند الله تبارك وتعالى .
ثم هاهنا أمر لا بد من الانتباه له وهو أن النصوص الشرعية أي: قول الله وقول رسوله لا يمكن أن تكون متناقضة أبدًا ولا بد أن يجمع المسلم بينها ، ولا بد أيضًا من الإيمان بها جميعًا ، ولا بد أن يحمل متشابهها على محكمها ، ومجملها على مفصلها ، ومنشأ خطأ الخوارج والمعتزلة أنهم أخذوا نصوص الوعيد دون نصوص الوعد .
ومنشأ خطأ المرجئة أنهم بالعكس وهدى الله عز وجل أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، والله عز وجل يهدي ما يشاء إلى صراط مستقيم .
فقد تواترت النصوص على أن بعض أهل التوحيد يدخلون النار ثم بعد ذلك يخرجون منها .
ويجب الإيمان بهذه النصوص والاعتقاد بمدلولها وأن أهل الكبائر من المسلمين تحت مشيئة الله عز وجل إن شاء عفا عنهم وغفر لهم بواسع فضله ورحمته ، وإن شاء عذبهم بقدر ذنوبهم في النار ، ولكن لا بد أن يدخلوا الجنة في يوم من الأيام .
المخالفون لكمة التوحيد:
وإذا تبين لنا معنى كلمة التوحيد كلمة لا إله إلا الله ، فإن لـ"لا إله إلا الله"أعداء ولها مخالفون ، يعني لمدلولها مخالفون وله من الأصل أعداء ، فأما المخالفون فهم كثر ومنهم المرجئة الذين يقولون إن من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة ولو فعل ما فعل ، فسهلوا فعل الكبائر على المسلمين وزعموا أن الإيمان في القلب وأنه لا يضر مع الإيمان ذنب ، وكان ذلك أمرًا خطيرًا على الأمة سبب فيها انحرافًا عظيمًا وسبب بعد ذلك ضعفًا في الإيمان ، وهؤلاء المرجئة منتشرون في كثير من بلاد المسلمين ، يهونون المعصية ويسهلون أمرها ، نجد أحدهم يقول - إذا نُصِح أو حُذِّر من مخالفة - الإيمان في القلب والمهم الضمير .
نعم القلب هم الأهم بلا شك ، (( إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) ).