فهرس الكتاب

الصفحة 602 من 1363

كما قال صلى الله عليه وسلم ، ولكن إذا صح القلب صلحت الجوارح وصلح السلوك وصلح الخلق وصلحت العبادة ، أما أن يوجد الإيمان في القلب ولا توجد عبادة ولا سلوك فهذه أمنية وليست بصحيحة ، إنما هي حيلة شيطانية وإن تأثير أصحاب الفكر الإرجائي على المسلمين تأثير عظيم حتى سهلوا على بعض الناس أن يرتكب بعض المكفرات زاعمين أن ذلك لا يتعارض مع الإيمان ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

ومن المخالفين لها أيضًا الذي كان لهم أثر بالغ السوء في الأمة أهل الكلام من الأشعرية و الماتردية وغيرهم الذين زعموا أن معنى لا إله إلا الله أنه لا خالق إلا الله ولا مبدع ولا قادر على الاختراع إلا الله ففسروها بالربوبية فعندهم أن من قال: لا إله إلا الله معتقدًا أنه لا خالق إلا الله ولا مبدع إلا الله فقد كمل توحيده ، فإذا فعل ما يناقض الألوهية فلا يضره ذلك عند كثر منهم ، وهذا سبب الخطأ عند كثير من الناس حتى أن بعضهم ينسب إلى العلم فيعبدون القبور أو يقرون من عبدها أو يسكتون عليها زاعمين أن هؤلاء مؤمنين وموحدين ، لأنهم يقولون: لا إله إلا الله ، وإذا سألتهم من الخالق ؟ قالوا: الله فهم إذا مؤمنون ، وقد سبق معنا أن بينا أن هذا لم يكن يخالف فيه لا أبو جهل ولا أبو لهب ولا غيرهم ، وأن الرسل إنما أرسلوا ليعبد الله وحده لا شريك له (( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ) ) (النحل: من الآية36) .

ومن المخالفين أيضًا لكلمة التوحيد ، كلمة لا إله إلا: المتصوفة الغلاة الذين كانوا سببًا من أسباب الضلال قطاع كبير من المنتسبين للقبلة فهؤلاء الغلاة هم الذين زينوا للناس التوسل بالصالحين والتشفع بهم والعكوف عند قبورهم والتقرب لهم والتمسح بهم وبالقبور ودعائهم وزعموا أن ذلك إنما هو تعظيم للصالحين ، وتعظيم للأنبياء وأنهم يشفعون عند الله وهذا هو نفس شرك أهل الجاهلية الأولى التي عاصرت النبي صلى الله عليه وسلم .

وهؤلاء في واقع الأمر مناقضون لكلمة التوحيد وليسوا مخالفين فقط ومثلهم الروافض الذين أشد الناس تعلقًا بالقبور وبالمقبورين وخاصة من أئمتهم الذين يقدسونهم ، ولهذا تجد الرافضة يعتقدون أن زيارة قبور أئمتهم أعظم من زيارة الكعبة والبيت وتجد أنهم يؤلفون الكتب في طريقة الزيارة لهم حتى أن بعضهم ألف كتابًا في شعائر الحج إلى المشاهد فسماها حجًا ، محادة لله وللرسول .

ومن المناقضين لكلمة التوحيد العلمانيون والمنافقون الذين يتربصون بالإسلام وهم يريدون هدمه من الداخل يؤلفون المؤلفات ويكتبون المقالات التي تدعو إلى تحكيم القوانين وإلى الرجوع إليها وإلى تحسين اللادينية والعلمانية وإلى الطعن في دين الله تبارك وتعالى أو في رسوله صلى الله عليه وسلم أو في آياته سبحانه والتشنيع على أهل الإيمان ونبزهم بشتى الأوصاف وهم لا يقصدون الذوات إنما يقصدون المبادئ التي يعتنقها أهل الإيمان ، وإلا فإن الذوات تأتي وتذهب ، والذوات كثيرة ومن المعلوم أن سخصًا لا يحارب شخصًا بمجرد ذاته ولكن يحاربه لأمور أخرى خارجة عن تلك الذات إما المعتقدات أو غيرها .

واقع الأمة مع كلمة التوحيد:

إن واقع الأمة مع"لا إله إلا الله"واقع مؤسف فقليل من الناس هم الذين يعلمون معناها ويعملون بمقتضاها ، والقطاع الأكبر من أمة الإسلام مفرطون في معنى كلمة التوحيد وفي معرفتها وجاهلون بمقتضاها وذلك إما يفعلون ما يناقضها أو يفعلون ما ينقصها ويضعفها في القلب ، ولذا فإن واجب المسلمين في كل مكان أن يعملوا على نشر كلمة التوحيد وعلى بيانها وعلى تصحيح المفهوم الخاطئ لها وبيان أنها كلمة عامة شاملة في الاعتقادات وفي المعاملات وفي العبادات وفي الأخلاق وفي الهدى وفي السلوك وفي السياسات وفي الحكم والاقتصاد والتعليم والتربية والاجتماع والإعلام وفي كل شيء فإنها عامة شاملة لكل قطاع ، فمن كان مسلمًا فعليه أن يخضع لله وحده: (( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) ) (البقرة: من الآية85) .

ولشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - كلام عظيم متين أختم به هذا الكلام المبارك في بيان معنى كلمة لا إله إلا الله وشموليتها ، وذلك لأن الحاجة ماسة لتصحيح مفاهيم المسلمين وأولها مفهوم التوحيد ، مفهوم كلمة"لا إله إلا الله"وذلك لإعادة إحياء الهوية الإسلامية النقية الصافية التي تتأثر بالكافرين ، لا من النصارى ولا من اليهود ولا من غيرهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت