فمن حرف كتاب الله، أوترك العمل به، أوعطله، فقد افترى على الله كذبًا، واتخذ آيات الله هزوًا ولعبًا، فإذا رأيتم من يعظم القرآن فعظمه، وإذا رأيتم من يكرم العلماء وأهل الدين فأكرموه، قال الله العظيم:"وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ"الآية، ومن رأيتموه خالف القرآن فارفضوه واهجروه في الله وأبغضوه، ومن رأيتموه يجانب العلماء فجانبوه، فإنه لا يجانبهم إلا ضال مبتدع، غير مقتدٍ بالشرع ولا متبع، فإن الشرائع لا تؤخذ إلا من العلماء الذين هم ورثة الأنبياء.
إلى أن قال:
وأما ما ذكرتموه من أفعالهم، واشتغالهم بالرقص والغناء والنوح فممنوع غير جائز، قال الله تعالى:"وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ"الآية، قال ابن مسعود: هو الغناء، والذي لا إله إلا هو؛ يرددها ثلاث مرات، وهو قول مجاهد وعطاء: من كانت له جارية مغنية فمات لم يصَلَّ عليه، لقول الله عز وجل:"وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ"الآية).
قال مالك في المدونة: (وأكره الإجارة على تعليم الشعر والنوح وعلى كتابة ذلك؛ قال عياض: معناه نوح المتصوفة وإنشادهم على طريق النوح والبكاء، فمن اعتقد في ذلك أنه قربة لله تعالى فهو ضال مضل، ولا يعلم المسكين أن الجنة حفت بالمكاره، وأن النار حفت بالشهوات، والله تعالى لم يبعث أحدًا من الأنبياء باللهو والراحة والغناء، وإنما بعثوا بالبر والتقوى) .
7.وأجاب الواغليسي عن ذلك قائلًا: (قد نص أهل العلم فيما ذكرت من أحوال بعض الناس من الرقص والتصفيق على ذلك بدعة وضلال، وقد أنكره مالك، وتعجب ممن يفعل ذلك) .
8.وقال القرطبي في رده على هذا الجواب: (إن ذلك مما لا يختلف على تحريمه، وقد انتهى التواقح بأقوام إلى أن قالوا: إن تلك الأمور من أبواب القرب، وصالح الأعمال، وإن بذلك يتم صفاء الأوقات، وسنيات الأحوال، فنعوذ بالله من البدع والضلال) .
9.وقال أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله، وقد سئل عن حال طائفة ينتمون إلى التصوف والفقر، يجتمعون في كثير من الليالي عند واحد من الناس، فيفتتحون المجلس بشيء من الذكر على صوت واحد، ثم ينتقلون بعد ذلك إلى الغناء والضرب بالأكف والشطح، هكذا إلى آخر الليل، ويأكلون في أثناء ذلك طعامًا يعده لهم صاحب المنزل، ويحضر معهم بعض الفقهاء، فإذا تكلم معهم في أفعالهم تلك يقولون: لو كانت هذه الأفعال مذمومة ومحرمة شرعًا لما حضرها الفقهاء.
قال بعد حمد الله والثناء عليه:(والجواب والله الموفق للصواب، أن اجتماعهم للذكر على صوت واحد، إحدى البدع المحدثات التي لم تكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا في زمن الصحابة ولا من بعدهم، ولا عرف ذلك قط في شريعة محمد عليه السلام، بل هو من البدع التي سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم ضلالة، وهي مردودة، ففي الصحيح أنه عليه السلام قال:"من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد"، يعني فهو مردود وغير مقبول، فكذلك الذكر الذي يذكرونه غير مقبول.
وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته:"أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة"، وفي رواية:"وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في النار"، وهذا الحديث يدل على أن صاحب البدعة في النار.
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وعن الحسن البصري أنه سئل وقيل له: ما ترى في مجلسنا هذا؟ قوم من أهل السنة والجماعة، لا يطعنون على أحد، نجتمع في بيت هذا يومًا فنقرأ كتاب الله وندعو الله ربنا، ونصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وندعو لأنفسنا ولعامة المسلمين؛ فنهى الحسن عن ذلك أشد النهي، لأنه لم يكن من عمل الصحابة ولا التابعين، وكل ما لم يكن عليه عمل السلف الصالح فليس من الدين، فقد كانوا أحرص على الخير من هؤلاء، ولو كان فيه خير لفعلوه.
ثم ذكر كلام مالك السابق.
ثم قال:
وأما ما ذكرتموه من شأن الفقيهين الإمامين، فليسا بفقيهين إذا كانا يحضران شيئًا من ذلك، وحضورهما ذلك على الانتصاب إلى المشيخة قادح في عدالتهما، فلا يصلى خلف واحد منهما حتى يتوبا إلى الله من ذلك، ويظهر عليهما أثر التوبة، فإنه لا يجوز الصلاة خلف أهل البدع، نص على ذلك العلماء.
وعلى الجملة فواجب على من كان قادرًا على تغيير ذلك المنكر الفاحش القيام بتغييره، وإخماد نار الفتنة، فإن البدع في الدين هلاك، وهي في الدين أعظم من السم في الأبدان، والله الواقي بفضله، والسلام على من يقف على هذا من كاتبه: إبراهيم الشاطبي) .