10.وأجاب الفقيه الصالح أبو عبد الله الحفار على السؤال السابق ما نصه:(الحمد لله والصلاة على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الجواب مستعينًا بالله أن هذه الطائفة المنتمية للتصوف في هذا الزمان، وفي هذه الأقطار، قد عظم الضرر بهم في الدين، وفشت مفسدتهم في بلاد المسلمين، لا سيما في الحصون والقرى البعيدة عن الحضرة هنالك، يظهرون ما انطوى عليه باطنهم من الضلال، من تحليل ما حرم الله، والافتراء على الله وعلى رسوله، وبالجملة فهم قوم استخلفهم الشيطان على حل عرى الإسلام وإبطاله، وهدم قواعده، ولسنا لبيان حال هؤلاء، فهم أعظم ضررًا على الإسلام من الكفار، وإنما يقع الجواب على حال ما ذكر في السؤال على تقدير سلامة عقيدته، وعدم تعرضه لما دخل فيه غيره ممن ننبه عليه، بل نقتصر على ما ذكر من الغنا وسماعه، فحال هذه الطائفة المسؤول عنها أخف بالنسبة إلى الطائفة الأولى وأحسن، وما فيهم حسن، لكنهم قوم جهلة، ليس لديهم شيء من المعارف، ولا يحسن واحد منهم أن يستنجي ولا يتوضأ، دع ما سوى ذلك، لا يعرف ما فرض الله عليه، بهيمة من البهائم في دينه، وما أوجب الله عليه في يومه وليلته، ليس عنده من الدين إلا الغنا والشطح، وأكل أموال الناس بالباطل، واعتقاده أنه على شيء، وهذا كله ضلال من وجوه، أعظمها أنهم يوهمون على عوام المسلمين، ومن لا عقل له من النساء، ومن يشبههن في قلة العقل من الرجال، أن هذه الطريقة التي يرتكبونها هي طريقة أولياء الله، وهي من أعظم ما يتقرب به إلى الله، فيَضلون ويُضلون، وفي ذلك افتراء على الله، وعلى شريعته وأوليائه.
إلى أن قال:
وأما حضور الفقهاء معهم، وقولهم لو كنا على غير طريقة مرضية لما حضرها الفقهاء معنا، فيقال: إن حضور الفقهاء معهم ليس بدليل على الجواز، ولا عدمه دليل على المنع، ولا يُعرف الحق بالرجال، بل الرجال يُعرفون بالحق، فالفقيه إذا حضر معهم ووافق واستحسن فعلهم فهو مثلهم، بل هو شر منهم، وهو باسم الفسق أولى منه باسم الفقه، وإن حضر ليرى تلك الطريقة وما تنطوي عليه حتى يحكم بما يشاهد من أحوال أهلها، ثم بعد ذلك يحكم عليها بما يقتضيه الفقه، فحضوره حسن، وإن كان حضوره على جهة تفريج النفس، كما يحضر الإنسان مجالس اللهو واللعب، فإن تكرر ذلك منه على هذا الوجه فذلك مسقط لعدالته، وإن كانت فلتة فلتقل عثرته، ولا يعد للحضور معهم، فيكون مثلهم، على ما أشار إليه قوله تعالى:"فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ"الآية، فمن كثر سواد قوم فهو منهم).
11.وقال ابن لب المالكي رحمه الله، وقد سئل عن رقص الفقراء بالمساجد، فقال: (أما رقص الفقراء في المساجد، فإن ذلك مما يجب أن تنزه المساجد عنه، لأنها بيوت الله في أرضه، أسست على التقوى ليتقرب إلى الله فيها بالطاعات، ووظائف العبادات، قال تعالى:"فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ. رِجَالٌ"الآية، وما جاء في الحديث من لعب الحبشة في المسجد بالحراب، فقد قال العلماء في ذلك إنما أبيح لما فيه من المثاقفة، وتدريب الجوارح على معاني الحروب، وهو من باب الإرماء والأخذ في الاستعداد، مع ما كان في ذلك من استئلافهم، وتأنيسهم، وترك تنفيرهم) .
12.قال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى:"وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ"الآيات، في الرد على الصوفية في رقصهم وتواجدهم: (وهذا كله أصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتغييره، ومفارقة أهله، وأن المقيم بينهم لا سيما إذا كان راضيًا حكمه كحكمهم، وقد مضى هذا المعنى في آل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال.
وسئل الإمام أبوبكر الطرطوشي المالكي رحمه الله: ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية؟ واعلم، حرس الله مدته، أنه اجتمع جماعة من رجال، فيكثرون من ذكر الله تعالى، وذكر محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيًا عليه، ويحضرون شيئًا يأكلونه، هل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا مأجورين، وهذا القول الذي يذكرونه:
يا شيخ كف عن الذنوب قبل التفرق والزلل
واعمل لنفسك صالحًا ما دام ينفعك العمل
أما الشباب فقد مضى ومشيب رأسك قد نزل
وفي مثل هذا ونحوه.