فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 1363

قلت: بجانب عدم قيام الدليل على ذلك فإن هذا الاعتقاد فيه من سوء الأدب وعدم توقير الرسول الكريم وإجلاله الشيء الكثير، حيث يزعم هؤلاء أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يأتي إليهم ويزورهم.

هل تعلم أخي الحبيب أن كل الأوراد، والأذكار، والصلوات، والاحتفالات، والموالد، والحوليات التي لم يتعبد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام ربهم، والتي لم تكن معروفة لديهم، أنها مردودة عليك بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قال صلى الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، وقال:"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد".

لأن العبادات توقيفية، لا يجوز الزيادة عليها ولا النقصان، لماذا تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ لماذا تترك الأذكار والصلوات التي خرجت من في من لا ينطق عن الهوى، وتتمسك بأوراد وأذكار وضعها غيره من البشر؟

قال الإمام النووي رحمه الله بعد أن ذكر صيغ الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم وصفتها: (وأما ما قاله أصحابنا وابن أبي زيد المالكي من استحباب زيادة على ذلك"وارحم محمدًا وآل محمد"، فهذه بدعة لا أصل لها، وقد بالغال إمام أبوبكر بن العربي المالكي في كتابه شرح الترمذيي إنكار ذلك، وتخطئة ابن أبي زيد، وتجهيل فاعله، قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم علمنا كيفية الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، فالزيادة على ذلك استقصار لقوله، واستدراك عليه صلى الله عليه وسلم، وبالله التوفيق) .

هل تعلم أخي الموفق لكل خير أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما الطاعة في المعروف؟

كما أخبر صاحب الشريعة، وأن ما يشيعه بعض الصوفية:"لا تعترض فتطرد"، وزعم البعض أنه لو أمره شيخه بدخول النار لدخلها، ولو أمره بالكفر لكفر، لا أساس له في شرع المصطفى صلى الله عليه وسلم.

بل جاء في الأثر:"لا يكن أحدكم إمعة، يقول: إن أحسن الناس أحسنتُ، وإن أساءوا أسأتُ؛ ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم، فإنه لا أسوة في الشر".

وقد حذر الشارع كذلك أن يقلد المرء دينه الرجال، لأن الحق لا يعرف بالرجال، ولكن يعرف الرجال بدورانهم مع الحق حيث دار، كما قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه.

واعلم كذلك أنه ما لم يكن في ذاك اليوم دينًا فلن يكون اليوم دينًا

كما قال مالك الإمام في تفسير قوله تعالى:"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا"، فالدين تم وكمُل، فماذا بعد التمام إلا النقصان؟!

واعلم كذلك أن تقسيم الصوفية العلم إلى علم شريعة وحقيقة، أوعلم ظاهر وباطن، أوما يعرف بـ"العلم اللدني"، لا أساس له من الصحة

وأن هذا التقسيم ما أنزل الله به من سلطان، ولم يؤثر عن علم من الأعلام، وإنما اخترعه الشيطان على أوليائه ليلبس عليهم، وليتمكن من إضلالهم.

وزعموا أن العلم اللدني يلقن تلقينًا، ولا يحتاج إلى تعليم، ومعلوم من دين الله أن العلم بالتعلم، ولو كان العلم بالتلقين لناله سيد البرية، ولكن علمه جبريل عليه السلام عندما قال له:"اقرأ"، قال:"ما أنا بقارئ.."، قال:"اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ"، الحديث.

عمدتهم في هذا التقسيم قصة الخضر مع موسى عليهما السلام، وقوله تعالى:"وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا"، وليس في ذلك أدنى دليل.

والقول الراجح أن الخضر نبي من الأنبياء، وأن الله أوحى إليه بأمور لم يوحها لكليمه موسى، ولهذا قال في نهاية القصة:"وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي"، وأن موسى عليه السلام أفضل من الخضر، فهو نبي رسول من أولي العزم، ولكن سبب ابتلائه بذلك أنه خطب يومًا في بني إسرائيل، فقال له رجل: هل هناك من هو أعلم منك؟ فلم يرد العلم إلى الله، ولهذا أمره الله أن يخرج في تلك الرحلة.

والحق كذلك أن الخضر مات، ولو كتب الله الخلود لأحد لكتبه لخاتم الأنبياء والرسل:"وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ".

وما الحديث الذي يروى في سند العلم اللدني إلا من وضع الكذابين الدجالين.

وما ورد في قصيدة"جل جلاله":"من جبريل فهو روح الله، أوحى لي مختار الله.."، كان اعتمادًا على هذا الحديث الموضوع.

واعلم كذلك أن الولاية ليست بالتوارث، وإنما هي بالإيمان والتقوى

قال تعالى:"أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ".

فكل مؤمن تقي فهو ولي لله عز وجل، وطالما أن الناس يتفاوتون في إيمانهم وتقواهم فإنهم لا شك متفاوتون في ولايتهم.

واعلم كذلك أنه ليس كل خارق كرامة

إذ الخوارق منها ما هو من باب الشيطان والاستدراج، ومن السحر، ولهذا فإن ضابط الكرامة الأساسي هو الاستقامة على دين الله، ولهذا ورد عن السلف أن أكبر كرامة هي الاستقامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت