هذه الرسالة عبارة عن أسئلة، واستفسارات، وتنبيهات، مصحوبة بأجوبة وبيانات لها، ربما لم تقرع آذان البعض من قبل، ولم يفكروا فيها، ويشغلوا أنفسهم بها، على الرغم من أهميتها، وحاجبتهم قبل غيرهم إليها.
أقول وبالله التوفيق:
هل تعلم أنك تنتسب إلى لبس الصوف، وليس إلى أهل الصفة، ولا الصف الأول، ولا الصفاء، لأن اللغة لا تجيز ذلك أبدًا، أو إلى ناسك جاهلي هو"صوفي بن بشر"؟
ولا إخال عاقلًا يحب أن يُنسب إلى هذا أوذاك، فهلا تسميت بالاسم الذي سماك به ربك؟
"هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ".
وهل تعلم أنك تدين الله بشيء حادث في الدين؟
إذ الصوفية من الأمور المحدثة، حيث لم تظهر إلا في نهاية القرن الثاني أوبداية القرن الثالث الهجري، وقد حذر رسولك صلى الله عليه وسلم من البدع المحدثات، فقد صح عنه أنه قال:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"،"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"، وصح عنه كذلك:"إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار".
هل تعلم أخي أن من حق الله عليك أن تعبده ولا تشرك معه غيره، ومن حقك عليه إن عبدته ولم تشرك معه غيره أن يدخلك الجنة؟
وهل علمت أن دعاءك واستغاثتك بذوات الأحياء أوالأموات، أوبجاههم، وطلبك للحاجات التي لا يقدر عليها إلا الله، نحو طلب الولد، والمغفرة، ونحوهما، من باب الشرك الأكبر الذي يخلد صاحبه في النار، والمبطل لجميع الأعمال، المانع من شفاعة سيد الأبرار؟
هل تعلم أن التوسل المشروع له ثلاث وسائل، وما سواها توسل شركي، ممنوع، ممقوت؟
وهي:
1.التوسل إلى الله عز وجل بأي اسم من أسمائه الحسنى، وبأي صفة من صفاته العلا، نحو: يا رب، يا حي، يا قيوم.
2.التوسل بالأعمال الصالحة، كتوسل الثلاثة الذين دخلوا الغار فانسد عليهم، فتوسل كل منهم بصالح عمله، ففرَّج الله عنهم كما أخبر الصادق المصدوق.
3.طلب الدعاء من الحي الحاضر، نحو توسل الأعمى بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث عثمان بن أبي حنيف، حيث طلب الرسول صلى الله عليه وسلم من الأعمى أن يتوضأ ويصلي ركعتين، ويسأل الله أن يقبل شفاعة رسوله فيه، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد الله بصره.
وكاستسقاء عمر بدعاء العباس رضي الله عنهما، ولا يظنن خاطئ أن عمر استسقى بذات العباس، إذ لو كان الاستسقاء بذاته لاستسقى عمر بذات النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أفضل من العباس ومن جميع الخلق، بأبي هو وأمي، ولهذا خرج العباس وخرج معه عمر والصحابة، ورفع العباس يده فقال: اللهم ما نزل بلاء إلا بمعصية، ولا رفع إلا بتوبة.. إلخ.
شريطة أن لا يرد الفضل إلى الداعي، ولكن إلى الله.
هل تعلم أن رسولك صلى الله عليه وسلم قال:"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله"؟
والإطراء هو المبالغة في المدح والكذب فيه، من ذلك اعتقاد جل الصوفية:
1.أن الرسول صلى الله عليه وسلم خلق من نور، بل جميع الأنبياء من لدن آدم خلقوا من نوره، وهذا منافٍ لما أخبر به الله أنه من بني آدم، وقد خلق الله آدم عليه السلام من طين.
2.أن الرسول صلى الله عليه وسلم حي في قبره كحياته قبل موته، يستقبل الزائرين ويصافحهم ونحو ذلك، وقد قال الله تعالى:"إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ"، وقال:"وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ".
مع يقيننا الصادق أن روحه صلى الله عليه وسلم في أعلى الجنان، وأن الله حرَّم على الأرض أجساد الأنبياء، وأن الحياة البرزخية تختلف عن الحياة الدنيا وعن الحياة الآخرة.
3.اعتقاد كثير من الصوفية أن الرسول صلى الله عليه وسلم يُرى يقظة بعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، بل من المشايخ من يزعم أنه يكلم الله من غير واسطة، وأن بعض الطرق خرج مرسوم إنشائها بأمره، وأنهم أخذوا عنه بعض الصلوات والأذكار، وأنه يحضر الموالد والحوليات، ولهذا نجد البعض يقفون عند قراءة فاصل من المولد العثماني، والبعض إذا جلسوا لذكر الجمعة فرشوا ملاءة، وزعموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم يجلس في وسطها، وخلفاؤه الراشدون في أركانه.
هذا الاعتقاد بجانب ما فيه من المخالفة لما كان عليه السلف الصالح من لدن الصحابة ومن بعدهم، حيث لم يزعم أحد منهم أنه اجتمع برسول الله صلى الله عليه وسلم مع حاجتهم الماسة لذلك، ومنزلتهم العالية عنده.
فها هي فاطمة رضي الله عنها، كانت تظن أن لها حقًا فيما تركه أبوها صلى الله عليه وسلم، فبيَّن لها أبوبكر أن الأنبياء لا يورثون، ما تركوه صدقة، ولكنها لم تقنع بذلك، فلو كانت رؤياه يقظة ممكنة لرأته فاطمة واجتمعت به، ولرآه خلفاؤه الراشدون، فقد حزبتهم أمور عظام، فلا يمكن أن يحجب عنه أولئك الأخيار مع توفر الدواعي والحاجة الماسة، ويراه الخلوف من هذه الأمة.