ورحم الله الشافعي عندما قال:"إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء، أويطير في الهواء، فلا تصدقوه ولا تغتروا به حتى تعرضوه على كتاب الله، فإن الشيطان يطير من المشرق إلى المغرب".
واعلم كذلك أن العلماء هم الأولياء
ولهذا قال الإمامان أبو حنيفة والشافعي:"إن لم يكن العلماء هم الأولياء فليس لله ولي".
ولهذا فإن الاشتغال بالعلم الشرعي أفضل من التفرغ للعبادة، فقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما:"لعالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد"، وجاء في الحديث:"فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم"، وفي رواية:"كفضل القمر على سائر الكواكب"، لأن العلم فضله متعدٍ، أما العابد إن كان يعبد الله على بصيرة فخيره قاصر عليه.
واعلم كذلك أن الله أثنى عل قوم بقوله:"الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ"
مما يدل على أن مسلك الصوفية في منعهم أتباعهم ومريديهم من الجلوس إلى علماء أهل السنة، خوفًا من أن يؤثروا عليهم، فيه ظلم وتعدٍ كبير، وحرمان عظيم لهؤلاء، وهو شبيه بما كان يحذر به المشركون بعضهم بعضًا:"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ".
وبما كان يفعله قوم نوح عليه السلام:"وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ".
ورضي الله عن الطفيل بن عمرو الدوسي، عندما حذره أهل مكة وخوفوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى وضع الكرسف في أذنيه حتى لا يسمع شيئًا من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن سرعان ما آب إلى رشده، وخاطب نفسه قائلًا: أنا رجل شاعر لبيب، أعرف الحسن من القبيح، فلماذا لا أستمع له؟ فأخرج الكرسف واستمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقذف الله الإيمان في قلبه، فلم يمكث هنيهة إلا وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابسط يدك أبايعك.
فليت قومنا صنعوا ما صنع الطفيل، فاستمعوا وانتفعوا.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يدل هذا المنع والتحذير على الإفلاس وعلى ضعف الحجة.
الذين لا تجوز مجالستهم، ولا معاشرتهم، ولا أخذ العلم منهم هم أهل البدع والأهواء، أما أن يحذر من أهل السنة، ويُدعى للجلوس مع أهل الأهواء، فهذا من انقلاب الموازين، وأكبر الخلل في الدين.
هل تعلم أنه لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن ينتسب إلى أي طريقة من الطرق الصوفية القائمة، أوإلى حزب من الأحزاب العلمانية، ولا إلى أي جماعة من الجماعات، إلا إذا كانت على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام في ذلك اليوم في العقيدة، والتصور، والعبادة، والسلوك؟
قد يقول قائل: كيف تقول ذلك، وقد رأينا جماعة دخلوا في هذه الطرق وتركوا ما كانوا عليه من الكبائر والآثام؟
نقول: لا شك أن بعض ذلك حق، وما من شيء يخلو من منفعة قلت أم كثرت، ولكن إذا كانت الأضرار والمفاسد التي تلحق بالمرء بانتسابه إلى هذه الطرق لا تدانيها المنافع التي يحصلون عليها، فخير للمرء مليون مرة أن يبقى على معصية من المعاصي مهما كانت سوى الشرك بالله، من أن يتخلص من هذه المعصية ثم تفسد عقيدته، ويستعيض عن هذه المعصية بالعديد من الممارسات الشركية.
واعلم أن الأذكار المبتدعة التي أحدثها الصوفية، نحو السماع الصوفي، والضرب على الطبول، والرقص، والتواجد، والذكر الجماعي، والذكر بالاسم المفرد نحو"هو، هو"، لا يقرب العبد من ربه، بل يباعد بينه وبين الله
فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يذكرون الله وكأنما على رؤوسهم الطير من الوقار والسكينة.
ولهذا فإن السماع الصوفي أشد حرمة من الغناء، وإليك هذه الفتوى في السماع الصوفي من أحد أئمة المالكية الكبار، وعلمائهم الأخيار، حتى لا يظن ظان أن النهي عن ذلك قاصر على ابن تيمية ومن والاه، بل هذا مذهب عامة المسلمين، وليعلم الذين اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا أن ليس لهم سلف في الصحابة والتابعين، ولا في أتباع الرسل السابقين، وإنما سلفهم الزنادقة، وعباد العجل أصحاب السامري.
جاء في تفسير قوله تعالى:"فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ"، كما قال القرطبيرحمه الله: (سئل الإمام أبوبكر الطرطوشي المالكي رحمه الله: ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية؟ واعلم -حرس الله مدته- أنه اجتمع جماعة من رجال، فيكثرون من ذكر الله تعالى، وذكر محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيًا عليه، ويحضرون شيئًا يأكلونه، هل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا مأجورين، وهذا القول الذي يذكرونه:
يا شيخُ كف عن الذنوب قبل التفرق والزلل
واعمل لنفسك صالحًا ما دام ينفعك العمل
أما الشباب فقد مضى ومشيب رأسك قد نزل
وفي مثل هذا ونحو.