فهرس الكتاب

الصفحة 599 من 1363

وفي حديث عتبان بن مالك رضي الله عنه: (( فإن الله حرم على النار من قال:"لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ) )وهما حديثنا صحيحان في الصحيحين وغيرهما . وقد أجاب أهل العلم على هذا الأمر - وهو حكم ذلك الذي ينطقها ثم يفعل ما يناقضها - بأمور منها: أن من المقطوع به في دين المسلمين أنه ليس كل قائل يقول: لا إله إلا الله يعتبر من أهل النجاة والسلامة من الشرك فإن المنافقين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: لا إله إلا الله وهم في باطن الأمر مشركون بالله جل وعلا كعبد الله بن أبي بن سلول وأمثاله ، قال الله تعالى: (( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا ) ) (النساء:145) (( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) ) (المنافقون:1) ."

شروط لا إله إلا الله:

إذا تبين أنه قد يقول كلمة التوحيد من هو في نفس الأمر مشرك يبطن الكفر ويظهر الإسلام فإن الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم قد بين لنا أن لكلمة التوحيد شروطًا لا بد من توافرها في الناطق بها ليكون من أهل النجاة عند الله عز وجل وذكر أهل العلم أنها سبعة شروط:

أولها: العلم بمعناها نفيا وإثباتًا ، أي: العلم المنافي للجهل بالمعنى الذي دلت عليه ، ولذلك قال الله تعالى: (( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) ) (محمد: من الآية19) وقال سبحانه: (( إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) ) (الزخرف: من الآية86) إذًا لا بد من علم ، أما أن يقول الشخص وهو لا يدري فإنه لا يكون بذلك ناجيًا ، ولا يكون بذلك مسلمًا ولو أن شخصًا أعجميًا كافرًا نصرانيًا أو يهوديًا أو مجوسيًا أو غير ذلك سمع رجلًا يقول: لا إله إلا الله بالعربية فقالها مثله لم يكن بذلك مسلمًا حتى يعلم معناها ويعتقد ويعمل بمقتضاها وقول الله تعالى:: (( إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) )فسرها ابن عباس - رضي الله عنهما - بقوله: إلا من شهد بالحق يعني بـ"لا إله إلا الله"وهم يعلمون ، أي: يعلمون ما دلت عليه ، وقال صلى الله عليه وسلم: (( من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة ) )

والجهل بمعناها هو الذي أوقع كثيرًا من الناس في الشرك حيث جهلوا معنى لا إله إلا الله ، فجهلوا معنى الإله وأن الإله هو المعبود وجهلوا مدلول النفي ومدلول الإثبات بعكس المشركين السابقين ، أبي جهل وأبي لهب وغيرهما ، حيث كانوا يعرفون معناها فرفضوا لما قالها لهم النبي صلى الله عليه وسلم قولوا له" (( أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ) ) (صّ:5) وقال بعضهم لبعض: (( أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ) ) (صّ: من الآية6) إذ أولئك القوم عرفوا معنى كلمة لا إله إلا الله فرفضوا وأبوها ، أما هؤلاء فإنهم جهلوا معناها فعبدوا القبور وعكفوا عليها ونذروا لأهلها وذبحوا لهم ودعوهم من دون الله تبارك الله وتعالى فكانوا خارجين بذلك عن معنى كلمة التوحيد."

الشرط الثاني: أن يقولها الشخص بيقين فيستيقن قلبه بها ويعتقد صحة ما يقوله: وضد اليقين الشك والريب والتوقف والظن قال الله تعالى: (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ) ) (الحجرات: من الآية15) .

وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (( أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة ) )

وقال تعالى عن المنافقين: (( وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ) ) (التوبة: من الآية45 ) )

فمن قالها وهو شاك في صحتها كان بذلك كافرًا - نسأل الله العافية والسلامة - لأن الإيمان جزم .

الشرط الثالث:

أن يقولها قابلًا لها ، والقبول ينافي الرد فلا يرد شيئًا من معانيها ، فقد يعلم معنى الشهادتين ، وقد يوقن بمدلولهما لكنه يردهما كبرًا وحسدًا ، وذلك كأحبار اليهود الذين قال الله عز وجل فيهم: (( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ) ) (البقرة: من الآية109) .

وكذلك زعماء المشركين كانوا يعرفون معنى لا إله إلا الله ويعرفون صدق النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك استكبروا عن قبول الحق والهدى ، قال الله تعالى عنهم: (( إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ) ) (الصافات:35) وقال تعالى: (( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) ) (الأنعام: من الآية33) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت