ونفسه و سيره وقصده هل هو على الجادة أم أنه متخلف هل هو ساع في تحقيق المقصود أم أنه متأخر أيها الإخوة إن صحابة رسول الله صلى الله هليه وسلم تميزوا بميزة جعلتهم خير القرون ألا وهي سرعة المبادرة والاستجابة لله ولرسوله فكانوا رضي الله عنهم سباقين إلى امتثال أمر الله ورسوله , شواهد هذا في سيرتهم كثيرة ولا أظن أن نأتي على شيء منها إلا ما ذكر في هذا الحديث فإن ابن عمر الذي أوصاه الرسول صلى الله هليه وسلم بهذه الوصية ذكر لنا الغاية في تحقيق الغربة وتحصيل ما أمره به رسول الله صلى الله هليه وسلم فكان رضي الله عنه يقول كما في صحيح البخاري في ذكر هذا الحديث قال موصيًا من يبلغه هذا الحديث: (( فإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك ) ) (10) هذه الكلمات من ابن عمر رضي الله عنه ترجمة حرفية فعلية يبين فيها كيف تحقق وصية رسول الله صلى الله هليه وسلم وهي الغاية والمنتهى في قصر الأمل لأن المسافر الذي هو عابر سبيل في الغالب قد يحتاج إلى الإقامة في مكان من الأماكن ليستريح وينشط على سفره لكن إقامته لا تدوم بل إذا أصبح لا ينتظر المساء في المكان الذي أقام فيه يمشي ويواصل السير كذلك إذا أمسى لا ينتظر الصباح بل هو مسافر ثم هو في سيره يغتنم أوقات عمره ونشاطه وقوته في تحقيق غرضه ومقصوده وهذا ما وجّه إليه ابن عمر رضي الله عنه في قوله: (( خذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك ) ) (11) فإن كل أحد ميت وكثير من الناس تنزل بهم الأمراض فاجتهادهم في وقت النشاط في طاعة الله عز وجل من ما يكتب لهم الأجر في حالة المرض فإن الله من كرمه وواسع فضله وجوده وإحسانه وبره ورأفته ورحمته بعباده أنه يكتب للعامل الصادق عمله صحيحًا مقيمًا إذا نزل به مرض أو سافر كما في حديث أبي موسى في الصحيح فينبغي للعبد أن يأخذ بهذه الوصية فإنها من أسهل الوسائل وأقرب الطرق التي يتحقق بها امتثال وصية رسول الله صلى الله هليه وسلم لابن عمر وهو أمر لكل الأمة وليس خاصًّا بابن عمر ومن ما يعيننا أيها الإخوة على تحقيق ذلك أن نتلمس ترجمة هذا الحديث في هدي رسول الله صلى الله هليه وسلم فإن النبي صلى الله هليه وسلم أنزل الله جل وعلا عليه القرآن ليبينه للناس فكان فعله صلى الله هليه وسلم وهديه ترجمة لما في القرآن وكان هديه وفعله صلى الله هليه وسلم ترجمة لما أمره الله به فهو السباق إلى الخيرات ما أمره الله بأمر إلاّ وبادر إليه ولا نهاه عن نهي إلا كان أول المنتهين عنه صلى الله هليه وسلم فما موقف الرسول صلى الله هليه وسلم من الدنيا روى الإمام أحمد في مسنده والترمذي في جامعه وابن ماجه في سننه أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه دخل على رسول الله صلى الله هليه وسلم يومًا من الأيام فكان رسول الله صلى الله هليه وسلم متكئًا على حصير فلما قام رسول الله صلى الله هليه وسلم بدا أثر الحصير في جنبه فقال ابن مسعود لرسول الله صلى الله هليه وسلم: هلا أمرتنا فنصنع لك مكانًا أو نعمل لك؟ فقال رسول الله صلى الله هليه وسلم: (( مالي وللدنيا ) ). يعني أي شيء لي ولهذه الدنيا يعني أي شيء يحملني على التعلق بها؟ ثم بين رسول الله صلى الله هليه وسلم هديه وسمته وطريقته فقال: (( إنما أنا كراكب استظل يعني شأني شأن الراكب السائر في طريقه القاصد إلى جهة من الجهات قال في ظل شجرة وفي رواية استظل ثم راح وتركها ) ) (12) هذه حال رسول الله صلى الله هليه وسلم في هذه الدنيا وهذا الحديث يبين لنا بيانًا واضحًا أن الحياة مهما كانت في غاية من السعادة فرسول الله كما قدمنا قبل قليل أسعد الخلق أسعد الناس أسعد بني آدم مع ذلك رسول الله صلى الله هليه وسلم يعد هذه الدنيا كالظل الذي يستظل به السائر في طريقه يحتمي به من الشمس ثم يخرج بعد أن قال واستراح لمواصلة سيره وهذا يبين لنا أيها الإخوة أن الدنيا مهما طابت فهي سريعة الرحيل سريعة الزوال هي دار قليلة المكث فالواجب على من نصح نفسه أن يجتهد في مرضاة ربه وأن يبالغ في تحقيق العبودية لله عز وجل جهده وطاقته على وفق سنة رسول الله صلى الله هليه وسلم وهديه قال رسول الله صلى الله هليه وسلم في بيان وصفه للدنيا وما فيها مهما بلغت من النعيم ومهما كان فيها من البهرج يقول رسول الله صلى الله هليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث المستورد بن شداد يقول: (( والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بمَ يرجع ) ) (13) هذه هي الدنيا بما فيها من الملذات وما فيها من أنواع التنعمات شأنها شأن ذلك الذي وقف على يم ثم غمس يده في اليم وأخرجها فما الذي يعلق مقارنة بما بقي في اليم إنه لا يذكر وهذا وصف لما يمكن أن يحصله الإنسان في هذه الدنيا من النعيم الذي يفوته في الآخرة إذا كان من المنعمين ومن من حصل لهم الغاية في التنعم في هذه الدنيا أيها الإخوة الكرام إن رسول الله صلى الله هليه وسلم هديه