إن سفرنا أيها الإخوة بدأ من ظهور آبائنا وانتقل إلى بطون أرحام أمهاتنا ثم بعد ذلك بدأت الرحلة التي يدركها ونعيشها وعليها مدار التكليف وبها الفوز والفلاح أو الخسار والهلاك من الخروج من بطون الأمهات ويكمل ذلك بجريان قلم التكليف بالبلوغ فإذا بلغ الإنسان فقد جرى عليه قلم التكليف وأصبح في سفر يحاسب على دقيقه وجليله ثم يمضي هذا العمر سنوات تقل أو تكثر إلا أن الجميع فيها مسافر وكل سيؤول إلى مقر لكنه ليس لإقامة بل هو زيارة وهي دار البرزخ قال الله جل وعلا-- أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ-- (4) فلما ذكر المقابر مع أنها الغاية والمنتهى عند كثير من الناس لم يجعلها دار إقامة بل جعلها دار زيارة ثم هذه الزيارة هل هي طويلة أم قصيرة هي على المؤمن من أقصر ما يكون وكذلك الكافر فإنها لا تطول عليه لأنه يرجو أن تطول وهي خلاف ذلك فهو يقول: (( ربِّ لا تقم الساعة ربِّ لا تقم الساعة ) ) (5) ثم يبعث الناس من قبورهم يقومون لرب العالمين على هيئتهم يوم خرجوا إلى دار التكليف حفاة عراة غرلًا ثم بعد ذلك يحشرون في محشر عظيم وموقف مهول فيه من الأهوال والفظائع ما تشيب منه رؤوس الولدان كما قال الله جل وعلا:-- يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ صدق الله العظيم يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ-- (6) . هذا هو الواقع الذي سبب ما قبله من الأوصاف من الذهول والاضطراب وكون الناس على هيئة السكارى في هذه الدنيا ومن رأى السكران يعرف حاله واضطرابه هي حال الناس في ذلك الموقف ثم بعد ذلك ما الذي جعل هذه الحال هي على هذه الصفة وهي حال عامة للجميع هي أن عذاب الله جل وعلا في ذلك اليوم وما أعده لمن خالف أمره عظيم تذهل له العقول وتضطرب له القلوب وتهتز له النفوس يستوجب أن يثبت الإنسان نفسه في هذه الدنيا بالعمل الصالح الذي يدفع عنه أهوال ذلك اليوم-- يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ-- (7) فنسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم أيها الإخوة من الآمنين الذين لا خوف عليهم ولاهم يحزنون الذين يثبتون على الحق والهدى في هذه الدار وفي الآخرة إنه ولي ذلك والقادر عليه أيها الإخوة إن النبي صلى الله هليه وسلم ذكر في هذا الحديث مرحلتين ينبغي للمؤمن أن يحرص على أن يكون في إحدى هاتين المرحلتين أو في إحدى هاتين الحالتين ويخطئ ويظلم نفسه من يخرج عن دائرة هاتين المرحلتين المرحلة الأولى أن يكون في الدنيا كأنه غريب مستعد للرحيل ينتظر وقت انقضاء سفره وانقضاء نهمته ليعجل السير إلى بلده فإن الناس ليست هذه بلادهم ولا هذا قرارهم بل قرارهم ما ذكر الله جل وعلا بقوله:--فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ? (8) هذا منتهى حال الناس فريقان فريق في الجنة وفريق في السعير نسأل الله أن نكون من أهل الجنة فينبغي للمؤمن أن يستحضر هذه الغربة وأن تكون منه على بال وأن تكون منه على خاطر وألا يغفل ببنيات الطريق وما في هذه الدنيا من ملاهٍ وملذات فإن هذه الملاهي والعوائق تغرك وتمنعك عن مواصلة سيرك. الأمر الثاني أو المرحلة الثانية التي ينبغي للمؤمن أن يسعى إلى تحقيقها هي أن يكون عابر سبيل أي أن يكون في حاله وشأنه واستعداده للآخرة واستعداده لبلوغ قصده كذلك الذي سار في طريق فاستظل تحت ظل شجرة ثم ذهب وتركها أيها الإخوة أن عابر السبيل أقل أثقالًا من الغريب فالغريب قد يسكن وقد يستقر لبرهة من الزمن وقد يشتغل بما يشتغل به المقيمون لكن عابر السبيل مظاهر السفر والتعب عليه بادية وقلبه بسفره مشغول لا يأنس إلى أحد ولا يأوي إلى أحد بل همه وشغله في بلوغ غايته وقصده كلنا يسعى ويشتغل للوصول إلى رحمة الله عز وجل إلى جنة عرضها السماوات والأرض فالواجب على كل أحد أن يشتغل بهذه الغاية وأن يسعى إلى تحقيقها قال تعالى:--وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ? (9) هذه هي غاية الوجود هذا هو المقصود من خلق السماوات والأرض والإنس والجن والذكر والأنثى تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى فهل نحن مشتغلون بالغاية لندرك المطلوب أم نحن غافلون عنها فيفوتنا خير مطلوب وهو الجنة التي وعدها الله عز وجل عباده المتقين إن المرحلة الثانية مرحلة كمال ولمنها مرحلة تحتاج إلى رجال تحتاج إلى حضور قلب ودوام مراقبة ودوام ملاحظة بأن لا يغفل الإنسان لأن المسافر في سفره قد يشتغل بعض الأحيان فيما يلهيه عن بلوغ مقصوده بما يعوقه عن الوصول إلى مكان إقامته وقراره فينبغي له أن يكون دائم الملاحظة دائم المراقبة دائم العناية بقلبه