أيها الإخوة الكرام إن هذا هو الدرس الأول من سلسلة دروس هدي النبي صلى الله هليه وسلم أو من سلسلة دروس في هدي رسول الله صلى الله هليه وسلم , هدي رسول الله صلى الله هليه وسلم الذي هو أكمل الهدي وهو عنوان السعادة للعبد إذا وفق إليه فإن الله جل وعلا قال:--فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا? (2) ولا يمكن أن يكون العمل صالحًا إلا إذا كان موافقًا لهدي النبي صلى الله هليه وسلم فواجب على كل من حرص على قبول عمله على كل من رغب في تحقيق السعادة لنفسه أن يسلك وأن يعتني بهدي النبي صلى الله هليه وسلم يعتني به علمًا يعتني به عملًا يعتني به تحصيلًا يعتني به طلبًا فإن ذلك سبب للسعادة والجواب أو التعليل لهذا الأمر واضح جدًّا فإن رسول الله صلى الله هليه وسلم أكمل الخلق سعادة رسول الله لا أسعد منه في الدنيا ولا في الآخرة وقد من الله عليه جل وعلا بهذه السعادة الوافرة في الدنيا والآخرة فمن رغب في سعادة الدنيا وسعادة الآخرة وفوز الدنيا وفوز الآخرة فليحرص على سلوك النبي صلى الله هليه وسلم إن ما سنتناوله في مثل هذه الدروس إن شاء لله تعالى هو ما يتعلق بجوانب من هدي النبي صلى الله هليه وسلم نذكر بها أنفسنا حاله صلى الله هليه وسلم لأن الله جل وعلا جعل فيه لنا الأسوة الحسنة جعله سبحانه وتعالى لنا إمامًا وقائدًا فبقدر حرصنا على اتباع سنته والأخذ بهديه والإقبال على ما أرثه وتركه بقدر نصيبنا من صحبته والحشر تحت لوائه والكون معه يوم العرض والنشور.
أيها الإخوة الكرام درسنا إن شاء الله تعالى سيكون في أول أحد من أول كل شهر بإذن الله تعالى في أول ليلة الأحد من كل شهر إن شاء لله تعالى وكما علمتم أننا سنتناول هدي النبي صلى الله هليه وسلم وموضوعنا لهذا الدرس هو نظرة رسول الله صلى الله هليه وسلم للدنيا وقد انتخبت لبيان ذلك حديثًا في صحيح الإمام البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنه قال فيه: أخذ رسول الله صلى الله هليه وسلم بمنكبي والمنكب هو مجمع الكتف مع العضد. أخذ رسول الله صلى الله هليه وسلم بمنكب ابن عمر لكن قبل أن نتم الحديث نحب أن نقف عند هذه اللفتة النبوية منه صلى الله هليه وسلم التي تنم وتدل على تواضع جم منه صلى الله هليه وسلم وتدل أيضًا على شفقة ورحمة وتدل أيضًا على نصح تام ورغبة في إيصال الخير فإن رسول الله صلى الله هليه وسلم خص ابن عمر الشاب الحدث الذي توفي رسول الله صلى الله هليه وسلم وهو في أوائل العشرين أو قد يكون لم يبلغ العشرين فإنه في غزوة الخندق كان عمره خمسة عشر ة سنة أو أربع عشرة سنة رسول الله صلى الله هليه وسلم لفت نظر هذا الشاب الذي في مقتبل عمره وفي أوائل طريق حياته إلى أمر عظيم ينشطه به على ما يستقبل من بقية العمر ويذكره أهمية الجد والاجتهاد في استباق الأوقات قبل فواتها فإن رسول الله صلى الله هليه وسلم قال لابن عمر في هذه الوصية الجامعة التي هي في الحقيقة ترجمه لهذه الدنيا: (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) ) (3) كلمتان أمر رسول الله صلى الله هليه وسلم بهما هذا الشاب كن في الدنيا أي ليكن شأنك في هذه الدنيا في هذا المعاش في هذه الحياة بين أحد أمرين في الدنيا كأنك غريب هذا الأمر الأول، الثاني: أو عابر سبيل وكلاهما يجمعه معنى واحد ألا وهو السفر فإن الغريب مسافر والعابر للسبيل مسافر ومجمل الحديث يدل على أنه ينبغي لكل مؤمن لكل إنسان أن يحقق هذا المعنى في حياته وهو الاستشعار أنه في سفر , كم هم الذين غفلو ا عن هذا الأمر أكثرنا يظن أنه في دار إقامة في دار قرار في دار بقاء لا زوال لها إلا بعد آجال وأعمار ثم يحدث الله ما يشاء من ما يجري ويكون لكن الأمر أقرب من ذلك ورسول الله صلى الله هليه وسلم لن يوجه هذه الوصية لشيخ كهل قارب القبر بل وجهها لشاب صغير في أول عمره قد يكون في أوائل السنين التي بعد البلوغ أو قد يكون بلغ العشرين قال له رسول الله صلى الله هليه وسلم: (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) ). والجامع لهما كما ذكرنا هو معنى السفر فما هي حال المسافر؟ حال المسافر جد في طريقه اجتهاد في قطع المسافة لبلوغ مراده وتحصيل مقصوده هذه هي حال المسافر ولذلك قال رسول الله صلى الله هليه وسلم: (( كن في الدنيا كأنك غريب ) )هذه هي المرحلة الأولى وهذا هو الذي ينبغي أن يكون عليه كل إنسان، المرحلة الثانية التي هي مرحلة الجد وانتهاء الاجتهاد في تحصيل المقصود أن يكون الإنسان عابر سبيل فإن الغريب قد يشتغل في غربته في بعض ما يشتغل به المقيمون من أخذ مسكن أو مشرب أو مأكل أو غير ذلك لكنه لا يشتغل اشتغال الذي وطن نفسه على البقاء فمازالت أحكام السفر عليه قائمة ولازال يمني نفسه ويعدها بالارتحال وبلوغ المنزل والمقصد الذي يسعى إلى بلوغه وقصده وهو غايته وهي الدار الآخرة.