ترجمة لما في القرآن بيان لما حواه كتاب الله عز وجل بل الله جل وعلا قال في كتابه:--وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ? (14) فنزل الله عز وجل هذا القرآن على رسوله ليبينه للناس لعلهم يتفكرون لعله يحصل منهم التفكر والتذكر وإذا نظرنا إلى هذه السيرة لا نستغربها إذا علمنا أن هذا القرآن مملوء بالتزهيد في الدنيا وبيان حقارتها وخستها وانقطاعها وأنها دار زائلة طيف زائل وخيال عما قليل عابر وأن الآخرة هي دار القرار وأنها هي المستقر لكل أحد وقف عند قوله تعالى ليتبين لك ذلك وإن كان القرآن كما ذكرنا مملوءًا بذلك قف عند قوله تعالى في سورة الحديد:--اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ? (15) أي متاع خادع يبين لك ما ليس له حقيقة متاع باطل كاذب فهو يظهر صاحبه بالسعادة والمكانة والطمأنينة وقلبه خال من ذلك ثم بعد أن بين هذا الأمر وجه إلى ما يحصل به السلامة من هذا الغرور فقال:--سَابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ? (16) . إذًا سبيل السلامة من غرور هذه الدنيا هو أن يجد الإنسان في تحقيق العبودية أن يصل الإنسان عمره بالطاعة أن يحتسب الدقيق والجليل عند الله سبحانه وتعالى أن لا يشتغل بما يشتغل به الناس من الانهماك في هذه الدنيا والإقبال عليها وجعلها في المرتبة الأولى من الاهتمامات ليس المراد أن ينقطع الإنسان عن الدنيا فإنه لا قوام له إلا بذلك لكن المراد أن لا تكون الدنيا قد تخللت القلب وتربعت على سويداء القلب بل المراد أن يكون الإنسان مشتغلًا بالطاعة عاملًا فيما يرضي الله عز وجل باذلًا طاقته في تحقيق مرضاة الله عز وجل ولا مانع أن يشتغل بعد ذلك فيما يقيم به معاشه ويصلح به دنياه لا ندعو إلى زهد الصوفية الذين يقولون: دع الدنيا واهجرها فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن كذلك كان عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح يدخر قوت أهله لسنة وكان صلى الله هليه وسلم يواعد الناس ويجلس لهم ويخطط لأمر مستقبلهم فيما يتعلق بطاعة الله عز وجل وفيما يعين على ذلك من أمر الدنيا لكن الذي نذمه والذي يخالف مقتضى ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغربة هو أن يشتغل الإنسان بهذه الدنيا عن الآخرة وأن تكون هي همه هي محل اهتمامه ومحل عنايته وهي التي عليها يوالي وعليها يعادي وهي التي بها يحب وبها يكره ولها يعطي ولها يمنع هذا الذي ينبغي أن نسلم منه وأن نصون أنفسنا وقلوبنا ومجتمعنا منه وإذا كنا كذلك فقد حققنا خيرًا كثيرًا إن من ما يعين على تحقيق ما أمر به رسول الله أن ننظر إلى سرعة انقضاء الدنيا فالدنيا أيها الإخوان سريعة الانقضاء هي مراحل تنقضي مرحلة تلو مرحلة إذا لم يدرك الإنسان هذا الأمر غفل وإذا غفل فاتت عليه الخيرات فاتت الفرص عمرك فرصة للسبق إلى مغفرة من الله عز وجل ورضوانه إلى المسارعة إلى جنة عرضها السماوات والأرض فاحرص على مراحل عمرك واعلم أن الليل والنهار مراحل تطوى وتنقضي فيوم أمس شاهد عليك ويومك الحاضر محل عملك وغدًا قد لا تدركه فلا تدري أتكون فيه من الأحياء أو لا تكون فيه من الأحياء فاعمل جادًّا في قطع المراحل في طاعة الله عز وجل واعلم أن المراحل تطوى وأنت لا تشعر كلنا لو أراد أن يسترجع ذاكرته وذهنه إلى ما قبل سنوات قريبة لفاته الشيء الكثير وقال: ما أسرع تقارب الزمان وتعاقب الليالي والأيام لكن هذا لا ينفعه إذا كان لا يحدث به إقبالًا على الطاعة تصحيحًا للأخطاء استدراكًا لما فات تنمية وزيادة للخيرات مراحل العمر تنقضي وتسير سيرًا حثيثًا والعجيب أنك لو تأملتها لرأيت منازل تطوى والمسافر قاعد هذه حال الدنيا الليل والنهار منازل تطوى وتنقضي والمسافر أنا وأنت والثاني والثالث قاعد لا نشعر بهذا السفر ومن الغريب العجيب أن الله سبحانه وتعالى جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا والواقع أن تعاقب الليل والنهار أصبح غشاء عند كثير من الناس ينسيه النهار ما كان في الليل ويلهيه ليله عن ما يكون في نهاره وهلم جرًّا أصبح تعاقب الليل والنهار فتنة له لا ذكرى وعبرة نسأل الله عز وجل أيها الإخوة الكرام أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح وأن يجعلنا من عباده المتقين المحققين لأمر رسول الله صلى الله هليه وسلم عامة وفي هذا الحديث خاصة ونكتفي بهذا القدر من الكلام ونتلقى ما يكون من الأسئلة أسأل الله سبحانه وتعالى التسديد للصواب