4.وعن أميمة بنت رقيقة رضي الله عنها قالت:"أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن"أن لا يشركن بالله شيئًا"الآية، وقال: فيما استطعتن وأطقتن؛ قلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا؛ قلنا: يا رسول الله، ألا تصافحنا؟ قال: إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة واحدة قولي لمائة امرأة".
5.وعن معقل بن يسار رضي الله عنه يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"لأن يُطعن في رأس أحدكم بمِخْيَط من حديد خير له من أن يمس امرأة أجنبية".
امتناعه صلى الله عليه وسلم عن مصافحة النساء الأجانب في البيعة وهي مظنة المصاحفة دل على تأكيد حرمتها فيما سوى البيعة، وهذا الحكم ليس من خصائصه كما يزعم البعض، لأن خصائصه صلى الله عليه وسلم معلومة ومعروفة، وقد وضحها العلماء.
أقوال العلماء في المصافحة المستحبة والمحرمة
قال ابن أبي زيد القيرواني:(وسئل مالك عن المصافحة؟ قال: إن الناس ليفعلون ذلك، وأما أنا فما أفعله.
ثم قال: وروي عنه في المصافحة غير هذا، أنه صافح سفيان بن عيينة).
وقال الإمام النووي:(واعلم أن هذه المصافحة مستحبة عند كل لقاء، وأما ما اعتاده الناس من المصافحة بعد صلاتي الصبح والعصر فلا أصل له.
إلى أن قال:
وينبغي أن يحترز من مصافحة الأمرد الحسن الوجه، فإن النظر إليه حرام كما قدمنا في الفصل الذي قبل هذا، وقد قال أصحابنا: كل من حرم النظر إليه حرم مسه، بل المس أشد، فإنه يحل النظر إلى الأجنبية إذا أراد أن يتزوجها، وفي حال البيع والشراء، والأخذ والعطاء، ونحو ذلك، ولا يجوز مسها؛ ويستحب مع المصافحة البشاشة بالوجه، والدعاء بالمغفرة، وغيرها).
قال ابن حجر:(قال ابن بطال: المصافحة حسنة عند عامة العلماء، وقد استحبها مالك بعد كراهته.
إلى أن قال: ويستثنى من عموم الأمر بالمصافحة المرأة الأجنبية، والأمرد الحسن.
وقال: قال ابن عبد البر: روى ابن وهب عن مالك أنه كره المصافحة والمعانقة وذهب إلى هذا سحنون وجماعة، وقد جاء عن مالك جواز المصافحة، وهو الذي يدل عليه صنيعه في الموطأ، وعلى جوازها جماعة العلماء سلفًا وخلفًا).
وقال البغوي في شرح السنة: (وقال عبد الله بن مسعود: من تمام التحية المصافحة؛ وصافح حماد بن زيد ابن المبارك بيديه) .
ثالثًا: المعانقة
1.المعانقة من غير شهوة
المعانقة لمن قدم من سفر
ذهب أهل العلم في مشروعية المعانقة واستحبابها أوكراهيتها مذهبين، هما:
أ. المعانقة للقادم من السفر مشروعة ومستحبة، ودليلها:
• ... معانقة الرسول صلى الله عليه وسلم لجعفر بن أبي طالب عندما رجع من الحبشة.
• ... وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه بلغه حديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"فابتعتُ بعيرًا، فشددت إليه رحلي شهرًا، حتى قدمتُ الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فبعثت إليه أن جابرًا بالباب، فرجع الرسول، فقال: جابر بن عبدالله؟ فقلت: نعم؛ فخرج فاعتنقني".
• ... وعن أنس رضي الله عنه:"كانوا إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا".
• ... وعن أبي ذر رضي الله عنه قال:"ما لقيته - أي رسول الله صلى الله عليه وسلم - إلا صافحني، وبعث إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ولم أكن في أهلي، فلما جئت فأخبرت أنه أرسل إليَّ فأتيته، وهو على سرير فالتزمني، فكانت تلك أجود أجود".
• ... وقد عانق الرسول صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة حين رجع من قتال بني فزارة.
وهذا مذهب سفيان بن عيينة ومن وافقه، وهو الراجح للأدلة السابق.
ب. المعانقة للقادم من السفر غير مشروعة، وهذا مذهب مالك بن أنس ومن وافقه، وعد معانقة جعفر بن أبي طالب وغيره من خصائصه صلى الله عليه وسلم، ولا دليل على ذلك.
2.المعانقة بشهوة
وهي حرام، سواء كان المعانق من ذوي المحارم أومن غيرهم.
3.المعانقة للمرأة الأجنبية وللأمرد الحسن الوجه
محرمة.
أقوال أهل العلم في المعانقة
روى ابن أبي زيد عن مالك بعدما صافح سفيان بن عيينة: (قال له: لولا أنها بدعة لعانقتك؛ فاحتج عليه سفيان بمعانقة النبي صلى الله عليه وسلم لجعفر حين قدم من أرض الحبشة، فقال مالك: كان ذلك خاصًا لجعفر؛ ورآه سفيان عامًا، وأجاز مالك في رسالته لهارون الرشيد أن يعانق قريبه يقدم من سفر، وقيل: إن هذه الرسالة لم تثبت لمالك) .
وقال ابن حجر: (قال ابن بطال: اختلف الناس في المعانقة، فكرهها مالك، وأجازها ابن عيينة، ثم ساق قصتها، قال: استأذن ابن عيينة على مالك فأذن له، فقال: السلام عليكم؛ فردوا عليه، ثم قال: السلام خاص وعام، السلام عليك يا أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته؛ فقال: وعليك السلام يا أبا محمد ورحمة الله وبركاته؛ ثم قال: لولا أنها بدعة لعانقتك؛ قال: قد عانق من هو خير منك؛ قال: جعفر؟ قال: نعم؛ قال: ذاك خاص؛ قال: ما عمه يعمنا؛ الحديث.