قال تعالى:"يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته".
وقال:"قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق".
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين".
وقال:"يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحلَّ الله لكم ولا تعتدوا".
وروى أحمد عن أنس يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم:"إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق"، وصحَّ عنه أنه قال:"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، وقولوا عبد الله ورسوله".
أقوال أهل العلم في المراد بالغلو والتشدد
قال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى:"يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم"الآية:(يعني بذلك فيما ذكره المفسرون غلو اليهود في عيسى حتى قذفوا مريم، وغلو النصارى فيه حتى جعلوه ربًا، فالإفراط والتقصير كله سيئة وكفر، ولذلك قال مطرف بن عبد الله: الحسنة بين سيئتين؛ وقال الشاعر:
وأوفِ ولا تستوفِ حقَّك كلَّه وصافح فلم يستوفِ قطُّ كريمُ
ولا تغلُ في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميمُ
وقال آخر:
عليك بأوساط الأمور فإنها نجاةٌ ولا تركب ذلولًا ولا صعبًا).
وقال المناوي رحمه الله في شرح الحديث:"إياكم والغلو في الدين": (أي التشدد فيه ومجاوزة الحد، والبحث عن غوامض الأشياء، والكشف عن عللها، وغوامض متعبداتها،"فإنما أهلك من كان قبلكم"من الأمم"الغلو في الدين"، والسعيد من اتعظ بغيره، وهذا قاله غداة العقبة وأمرهم بمثل حصى الخذف، قال ابن تيمية: قوله"إياكم والغلو في الدين"عام في جميع أنواع الغلو، في الاعتقادات والأعمال، والغلو مجاوزة الحد بأن يزاد في مدح الشيء أوذمه على ما يستحق، ونحو ذلك، والنصارى أكثر غلوًا في الاعتقاد والعمل من سائر الطوائف، وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن بقوله:"لا تغلوا في دينكم"، وسبب هذا الأمر العام رمي الجمار، وهو داخل فيه مثل الرَّمي بالحجارة الكبار على أنه أبلغ من الصغار، ثم علله بقوله بما يقتضي أن مجانبة هديهم مطلقًا أبعد عن الوقوع فيما به هلكوا، وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه الهلاك) .
وقال ابن الجوزي رحمه الله: (بدء الشرائع كان على التخفيف، ولا يعرف في شرع نوح وصالح وإبراهيم عليهم السلام تثقيل، ثم جاء موسى عليه السلام بالتشديد والإثقال، وجاء عيسى عليه السلام بنحوه، وجاءت شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بنسخ تشديد أهل الكتاب، ولا تنطق بتسهيل من كان قبلهم فهي على غاية الاعتدال) .
وقال ابن القيم رحمه الله عن غلو النصارى:(ومعلوم أن هذه الأمة - القضبية - ارتكبت محذورين عظيمين، لا يرضى بهما ذو عقل ولا معرفة.
أحدهما: الغلو في المخلوق حتى جعلوه شريك الخالق وجزءًا منه وإلهًا آخر معه، وأنفوا أن يكون عبدًا له.
والثاني: تنقص الخالق وسبه، ورميه بالعظائم، حيث زعموا أنه - سبحانه وتعالى عن قولهم علوًا كبيرًا - نزل من العرش عن كرسي عظمته، ودخل فرج امرأة، وأقام هناك تسعة أشهر يتخبط بين البول والدم والنجو، وقد علته أطباق المشيمة والرحم والبطن، ثم خرج من حيث دخل رضيعًا صغيرًا يمص الثدي، ولف في القُمُط، وأودع السرير، يبكي ويجوع ويعطش، ويبول ويتغوط، ويحمل على الأيدي والعواتق، ثم صار إلى أن لطمت اليهود خديه، وربطوا يديه، وبصقوا في وجهه، وصفوا قفاه، وصلبوه جهرًا بين لصين، وألبسوه إكليلًا من الشوك، وسمَّروا يديه ورجليه، وجرعوه أعظم الآلام، هذا وهو إله الحق الذي بيده أتقنت العوالم، وهو المعبود.
ولعمر الله هذه مسبة لله سبحانه وتعالى ما سبه بها أحد من البشر قبلهم ولا بعدهم، كما قال تعالى فيما يحكي عنه رسوله الذين نزهه ونزه أخاه المسيح عن هذا الباطل الذي:"تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدًا"، فقال:"شتمني ابن آدم، وما ينبغي له ذلك، وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، أما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد، الذي لم ألد، ولم أولد، ولم يكن لي كفوًا أحد، أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادته".
وقال عمر رضي الله تعالى عنه في هذه الأمة:"أهينوهم ولا تظلموهم، فقد سبوا الله عز وجل مسبة ما سبه إياها أحد من البشر") .
نماذج للغلو في الاعتقادات
صور الغلو في الاعتقادات التي نهى الشارع عنها وحذر منها سدًا للذريعة كثيرة جدًا، ولكن سنشير إلى بعضها ليُقاس عليها:
1.اعتقاد أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب، وأنه خلق من نور، وأنه حي في قبره كحياته قبل موته، وأنه يُرى يقظة بعد موته، فقد قال صلى الله عليه وسلم:"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله".
2.التوسل والاستغاثة بذات الأنبياء والمرسلين أوبجاههم أحياء وأمواتًا.