فهرس الكتاب

الصفحة 315 من 1363

وتارة نسبتُ إلى مخالفة السنة والجماعة، بناء منهم على أن الجماعة التي أمر باتباعها - وهي الناجية - ما عليه العموم، ولم يعلموا أن الجماعة ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان، وسيأتي بيان ذلك بحول الله، وكذبوا عليَّ في جميع ذلك، أووهموا، والحمد لله على كل حال.

فكنت على حالة تشبه حالة الإمام الشهير عبد الرحمن بن بطة الحافظ مع أهل زمانه، إذ حكى عن نفسه فقال:"عجبت من حالي في سفري وحضري مع الأقربين مني والأبعدين، والعارفين والمنكرين، فإني وجدت بمكة وخرسان وغيرهما من الأماكن أكثر من لقيت بها موافقًا أومخالفًا، دعاني إلى متابعته علىما يقوله، وتصديق قوله، والشهادة، فإن كنت صدقته فيما يقول وأجزت له ذلك - كما يفعله أهل هذا الزمان - سماني موافقًا، وإن وقفت في حرف من قوله، أوفي شيء من فعله، سماني مخالفًا، وإن ذكرتُ في واحد منها أن الكتاب والسنة بخلاف ذلك وارد سماني خارجيًا، وإن قرأت عليه حديثًا في التوحيد سماني سالميًا، وإن كان في الإيمان سماني مرجئيًا، وإن كان في الأعمال سماني قدريًا، وإن كان في المعرفة سماني كرَّاميًا، وإن كان في فضائل أبي بكر وعمر سماني ناصبيًا، وإن سكت عن تفسير آية أوحديث سماني ظاهريًا، وإن أجبت بغيرهما سماني باطنيًا، وإن أجبت بتأويل سماني أشعريًا، وإن جحدتهما سماني معتزليًا، وإن كان في السنن مثل القراءة سماني شافعيًا، وإن كان في القنوت سماني حنفيًا، وإن كان في القرآن سماني حنبليًا، وإن ذكرت رجحان ما ذهب كل واحد إليه من الأخبار - إذ ليس في الحكم والحديث محاباة - قالوا: طعن في تزكيتهم، ثم أعجب من ذلك أنهم يسمونني فيما يقرأون عليَّ من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشتهون من هذه الأسامي، ومهما وافقت بعضهم عاداني غيره، وإن داهنتُ جماعتهم أسخطت الله تبارك وتعالى، ولن يغنوا عني من الله شيئًا، وإني متمسك بالكتاب والسنة، وأستغفر الله الذي لا إله إلا هو الغفور الرحيم".

هذا تمام الحكاية، فكأنه رحمه الله تكلم على لسان الجميع، فقلما تجد عالمًا مشهورًا أوفاضلًا مذكورًا إلا وقد نبذ بهذه الأمور أوبعضها، لأن الهوى قد يداخل المخالف، بل سبب الخروج عن السنة الجهل بها، والهوى المتبع الغالب على أهل الخلاف، فإذا كان كذلك حمل على صاحب السنة، إنه غير صاحبها، ورجع بالتشنيع عليه والتقبيح لقوله وفعله حتى ينسب هذه المناسب).

وما قاله هذان الإمامان قاله أبو القاسم عبد الرحمن بن منده الأصبهاني كما حكى عنه الذهبي في ترجمته:(قد عجبتُ من حالي، فإني وجدت أكثر من لقيته إن صدقتُه فيما يقول مداراة له سماني موافقًا، وإن وقفت في حرف من قوله، أوفي شيء من فعله، سماني مخالفًا، وإن ذكرتُ في واحد منهما أن الكتاب والسنة بخلاف ذلك سماني خارجيًا، وإن قرئ علي حديث في التوحيد سماني مشبهًا، وإن كان في الرؤيا سماني سالميًا.

إلى أن قال: وأنا متمسك بالكتاب والسنة، متبرئ إلى الله من الشَّبْه والمِثْل، والند والضد، والأعضاء والجسم والآلات، ومن كل ما ينسبه النسابون إليَّ، ويدعيه المدعون عليَّ من أن أقول في الله تعالى شيئًا من ذلك، أوقلته، أوأراه، أوأتوهمه، أوأصفه به).

من الظلم البين والتجني الواضح أن يصف المسلمُ أخاه بصفة هو بريء منها، وأن يرميه ويبهته بما ينفر الناس ويصدهم عنه بالظن والتخريص، من غير تثبت، ويحسبه هينًا وهو عند الله عظيم، لعدم استشعاره لخطورة ما يقول، ويذيع، وينشر، ولجريرة ما يقترف.

لذلك فإنه من الضرورة بمكان التعرف على حقيقة هذه المصطلحات، وتحديد مدلولاتها، حتى نكون على بينة من أمرها، وحتى لا نظلم إخواننا المسلمين ونبوء بغضب رب العالمين، لنميز ونفرق بين المتشدد، والمعتدل، والمتفلت.

فما المراد بالتشدد، والتوسط، والتفلت؟

الغلو والتشدد

أ . التشدد

قل ابن منظور: التشديد خلاف التخفيف، وشاده مشادة وشِدادًا غالبه، وفي الحديث:"من يشاد هذا الدين يغلبه الدين"، أي من يقويه ويقاومه، ويكلف نفسه من العبادة فوق طاقته، والمشادة المغالبة، وهو مثل الحديث الآخر:"إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق"، والمتشدد البخيل، كالشديد، قال طرفة:

أرى الموت يعتامُ الكرامَ ويصطفي عقيلة مالِ الفاحش المتشدد

ب . الغلو

مجاوزة الحد، قال ابن منظور: وغلا في الدين، والأمر يغلو غلوًا، جاوز حده، وفي التهذيب: وقال بعضهم: غلوتَ في الأمر غلوًا وغلانية، وغلانيًا إذا جاوزت فيه الحد وأفرطتَ فيه.

وفي الحديث:"إياكم والغلو في الدين"، أي التشدد فيه ومجاوزة الحد.

ومنه الحديث:"وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه"، إنما قال ذلك لأن من آدابه وأخلاقه التي أمر بها القصد في الأمور، وخير الأمور أوسطها، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم.

النهي عن الغلو والتشدد في الدين

لقد نهى الله ورسوله وحذرا الأمة من الغلو في الدين، في الاعتقادات، والأعمال، وجميع التصرفات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت