منهم من يفعل ذلك بقصد ولإحن، ومنهم من يطلق تلك الأحكام لقلة علمه وضحالة فقهه، ومنهم من يعتقد أن كل من خالف ما تعارف عليه الناس، ودرجوا عليه، واعتادوه، وقلدوا فيه، ومشوا عليه، استحق أن يُصنف ويُحذر منه، سواء كان المخالف موافقًا لسلف الأمة، وملتزمًا بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام أم لا؟ وسواء كان ما اعتاده الناس وتعارفوا عليه مغايرًا للمحجة البيضاء والحنيفية السمحة أم لا؟
من تلك التصنيفات الجائرة، والأحكام الباطلة، والنعوت الفارغة، إطلاق نعت ولقب"متشدد"على نفر من طلاب العلم الملتزمين المجتهدين، العاملين على رد الأمة إلى شرعها المصفى، وعقيدتها النقية، وطريقتها المرضية، وسبلها السوية.
ومن العجيب الغريب تباين الناس واختلافهم وتناقضهم في تصنيف الملتزمين بالسنة، العاملين لإحيائها وإشاعتها بين الناس، تصنيفًا متفاوتًا ومتغايرًا جدًا، فنفس الشخص الذي يطلق عليه البعض لقب"متشدد"يصفه آخرون بأنه متساهل، متهاون، مجامل، بل ومداهن، وذلك لاختلاف الموازين، واختلال المفاهيم، وقلة العلم والفقه والورع في الدين، فإرضاء الناس غاية لا تنال.
ومما يسلي النفس ويعزيها أن هذا المسلك قديم، وقد ابتلي به بعض العلماء الأخيار، والأئمة الأطهار، نظمنا الله في سلكهم، وحشرنا في زمرتهم، وجمعنا في مستقر رحمته بهم، منهم على سبيل المثال لا الحصر شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام الشاطبي، والإمام ابن بطة، والإمام ابن منده رحمهم الله.
ولله در الإمام الشاطبي حين قال: (فقد تلخص مما تقدم أن مطالبة المخالف بالموافقة جارٍ مع الأزمان لا يختص بزمان دون زمان، فمن وافق فهو عند المطالب المصيب على أي حال كان، ومن خالف فهو المخطئ المصاب، ومن وافق فهو المحمود السعيد، ومن خالف فهو المذموم المطرود، ومن وافق فقد سلك سبيل الهداية، ومن خالف فقد تاه في طرق الضلالة والغواية.
إلى أن قال:
فتردد النظر بين أن أتبع السنة على شرط مخالفة ما اعتاد الناس - فلابد من حصول نحو مما حصل لمخالفي العوائد، لا سيما إذا ادعى أهلها أن ما هم عليه هو السنة لا سواها، إلا أن في ذلك العبء الثقيل، مع ما فيه من الأجر الجزيل - وبين أن أتبعهم على شرط مخالفة السنة والسلف الصالح، فأدخل تحت ترجمة الضلال عائذًا بالله من ذلك، إلا أني أوافق المعتاد، وأعد من المؤالفين، لا من المخالفين، فرأيت أن الهلاك في اتباع السنة هو النجاة، وأن الناس لن يغنوا عني من الله شيئًا، فأخذت في ذلك على حكم التدريج في بعض الأمور، فقامت عليَّ القيامة، وتواترت عليَّ الملامة، وفوَّق إليَّ العتاب سهامه، ونسبتُ إلى البدعة والضلالة، وأنزلت منزلة أهل الغباوة والجهالة، وإني لو التمست لتلك المحدثات مخرجًا لوجدتُ، غير أن ضيق العطن، والبعد عن أهل الفطن، رقى بي مرتقى صعبًا، وضيق عليَّ مجالًا رحبًا، وهو كلام يشير بظاهره إلى أن اتباع المتشابهات لموافقات العادات أولى من اتباع الواضحات، وإن خالفتُ السلف الأول.
وربما ألموا في تقبيح ما وجهت إليه وجهتي بما تشمئز منه القلوب، أوخرجوا بالنسبة إلى بعض الفرق الخارجة عن السنة شهادة ستكتب ويسألون عنها يوم القيامة، فتارة نسبت إلى القول بأن الدعاء لا ينفع ولا فائدة فيه، كما يعزي إليَّ بعض الناس، بسبب أنني لم ألتزم الدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلاة حالة الإمامة، وسيأتي ما في ذلك من المخالفة للسنة وللسلف الصالح والعلماء.
وتارة نسبت إلى الرفض وبغض الصحابة رضي الله عنهم، بسبب أني لم ألتزم ذكر الخلفاء الراشدين منهم في الخطبة على الخصوص، إذ لم يكن ذلك شأن من السلف في خطبهم، ولا ذكره أحد من العلماء المعتبرين في أجزاء الخطب، وقد سئل أصبغ عن دعاء الخطيب للخلفاء المتقدمين فقال: هو بدعة، ولا ينبغي العمل به، وأحسنه أن يدعو للمسلمين عامة؛ قيل له: فدعاءه للغزاة والمرابطين؟ قال: ما ارى به بأسًا عند الحاجة إليه، وأما أن يكون شيئًا يصمد له في خطبته دائمًا فإني أكره ذلك؛ ونص أيضًا العز بن عبد السلام على أن الدعاء للخلفاء في الخطبة بدعة غير محبوبة.
وتارة أضاف إليَّ القول بجواز القيام على الأئمة، وما أضافوه إلا من عدم ذكري لهم في الخطبة، وذكرهم فيها محدث لم يكن عليه من تقدم.
وتارة أحمل على التزام الحرج والتنطع في الدين، وإنما حملهم على ذلك أني التزمت في التكليف والفتيا الحمل على مشهور المذهب الملتزم لا أتعداه، وهم يتعدونه ويفتون بما يسهل على السائل ويوافق هواه وإن كان شاذًا في المذهب الملتزم أوفي غيره، وأئمة أهل العلم على خلاف ذلك، وللمسألة بسط في كتاب الموافقات.
وتارة نسبتُ إلى معاداة أولياء الله، وسبب ذلك أني عاديت بعض الفقراء المبتدعين المخالفين للسنة، المتنصبين - بزعمهم - لهداية الخلق، وتكلمتُ للجمهور على جملة من أحوال هؤلاء الذين نسبوا أنفسهم إلى الصوفية ولم يتشبهوا بهم.