قال: ما وجبت عليَّ زكاة منذ بلغت.
ه. جاءت امرأة إلى الليث وقالت: يا أبا الحارث، إن ابنًا لي عليل واشتهى عسلًا؛ فقال: يا غلام، أعطها مِرطًا من عسل؛ والمرط عشرون ومائة رطل، وقال: سألت على قدرها، وأعطيناها على قدر السعة علينا.
و. وأعطى منصور بن عمار الواعظ مرة ألف دينار وجارية تسوى ثلاثمائة دينار.
وقال عبد الله بن صالح: صحبت الليث عشرين سنة لا يتغدى ولا يتعشى إلا مع الناس، وكان لا يأكل إلا بلحم، إلا أن يمرض.
4.العالم المجاهد عبد الله بن المبارك (118-181ه)
كانت همة ابن المبارك متعلقة بأمور، هي:
1.حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2.الغزو والجهاد في سبيل الله.
3.الحج والعمرة.
4.كفالة العلماء وطلاب العلم والإخوان.
5.الإنفاق على الفقراء والمساكين.
كان ابن المبارك رحمه الله من الأسخياء الأجواد، وكان سخاؤه لجميع الناس سيما العلماء وطلاب العلم والإخوان.
قال الذهبي رحمه الله: بلغنا أنه قال للفضيل بن عياض: لولاك وأصحابك ما اتجرتُ.
وقال مرة: لولا السفيانان ما اتجرت؛ يعني العالمين الكبيرين والمحدِّثين العظيمين: سفيان الثوري وسفيان بن عيينة، رحمهما الله، وكان ينفق على الفقراء كل سنة مائة ألف درهم.
وقال الذهبي: كان ابن المبارك غنيًا شاكرًا، رأس ماله نحو الأربعمائة ألف.
قال علي بن خَشْرم: قلت لعيسى بن يونس: كيف فضلكم ابن المبارك ولم يكن بأسن منكم؟ قال: كان يقدم ومعه الغِلْمة الخرسانية، والبزَّة الحسنة، فيَصِل العلماء، ويعطيهم، وكنا لا نقدر على هذا.
نماذج من إنفاق ابن المبارك على العلماء وغيرهم
أ. قال نعيم بن حماد: قدم ابن المبارك أيلية - بيت المقدس - على يونس بن يزيد، ومعه غلام مفرغ لعمل الفالوذج، يتخذه للمحدِّثين.
ب. دخل أبو أسامة - وهو من العلماء - على ابن المبارك، فوجد في وجهه أثر الضر، فلما خرج بعث إليه أربعة آلاف درهم، وكتب إليه:
وفتى خلا من ماله ومن المروءة غير خالِ
أعطاك قبل سؤاله وكفاك مكروه السؤالِ
ج. وقال المسيب بن واضح: أرسل ابن المبارك إلى أبي بكر بن عياش أربعة آلاف درهم، فقال: سد بها فتنة القوم عنك.
د. وممن كان يتكفل بهم ويصلهم إسماعيل بن علية، فلما ولي القضاء أوالصدقات لهارون الرشيد قطع صلته عنه، وكتب إليه بهذه الأبيات:
يا جاعل العِلْم له بازيًا يصطاد أموال المساكين
احتلت للدنيا ولذاتها بحيلة تذهب بالدِّين
فصرتَ مجنونًا بها بعدما كنتَ دواءً للمسَاكين
أين رواياتك في سردها عن ابن عَوْن وابن سيرين
أين رواياتك فيما مضى في ترك أبواب السَّلاطين
إن قلتَ أكرهتُ فماذا كذا زل حِمارُ العِلم في الطين
فلما قرأها إسماعيل اعتزل منصبه، وعاوده ابن المبارك بصلاته، فعلم الرشيد بذلك، فقال: لعل هذا المجنون كتب إليه أوقابله؛ أوكما قال.
قلت: رحم الله ابن المبارك، ما كان يريد من العلماء والمحدِّثين أن يتولوا الوظائف الحكومية التي تحد من نشاطهم وتفرغهم للعلم والدعوة، بل كان مراقبًا لحركات العلماء وتصرفاتهم، فإذا رأى أحدَهم أراد التفرغ للعبادة أونوى اعتزال الغزو والجهاد، سواء كان بالمرابطة أوبنشر العلم باللسان والبنان أنبه على ذلك ونصحه، كما فعل بالفضَيْل بن عياض رحمه الله عندما آثر العبادة على المرابطة، والغزو، وتعليم العباد، لتعدي آثار هذه الأعمال على العبادة، كتب إليه هذه الأبيات.
قال ابن سُكينة: أملى عليَّ ابنُ المبارك سنةَ سبع وسبعين ومائة، وأنفذها معي إلى الفضيل بن عياض من طَرْطوس:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمتَ أنك بالعبادة تلعبُ
من كان يخضب جيده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
أوكان يُتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم و نحن عبيرنا وهج السَّنابك والغبار الأطيب
و لقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يُكْذبُ
لا يستوي غبارُ خيل الله في أنف امرئ، ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميت لا يكذب
فلم يكابر الفضيل، ولم يستنكف من قبول نصيحته، وإقراره على ما قال، يقول ابن أبي سُكينة: فلقيت الفضيل بكتابه في الحرم، فقرأه وبكى، ثم قال: صدق أبوعبد الرحمن ونصح.
إي وربي، صدق أبو عبد الرحمن ونصح، ولم يجامل ويداهن.
كيف كان تصرفه مع إخوانه من الغزاة والعلماء والعباد في الحج والغزو؟
د. روى الذهبي رحمه الله أن ابن المبارك خرج من بغداد يريد المصيصة، فصحبه الصوفية، فقال لهم: أنتم لكم أنفس تحتشمون أن ينفق عليكم، يا غلام هات الطَّسْت؛ فألقى عليه منديلًا، ثم قال: يلقي كل رجل منكم تحت المنديل ما معه؛ فجعل الرجل يلقي عشرة دراهم، والرجل يلقي عشرين، فأنفق عليهم إلى المصيصة، ثم قال: هذه بلاد نفير، فنقسم ما بقي؛ فجعل يعطي الرجل عشرين دينارًا، فيقول: يا أبا عبد الرحمن إنما أعطيتُ عشرين درهمًا؛ فيقول: وما تنكر أن يبارك الله للغازي في نفقته؟