المجتمع المسلم مجتمع متكافل مترابط، متمم لبعضه البعض، فما من شريحة من شرائحه إلا وهي تقوم بدور فاعل، وتسد ثغرة من الثغور المهمة، فما كان للغزاة أن يغزو العدو، وأن يرابطوا بالثغور لولا أن الله هيأ بعض طوائف المسلمين للقيام بالزراعة، والتجارة، ونحوها من المكاسب، ليخلفوا هؤلاء الغزاة في أهليهم وأولادهم، ولولا أن الله سبحانه وتعالى هيأ بعض الموسرين والمحسنين، ويسرهم لمساعدة إخوانهم من العلماء والدعاة وطلاب العلم، لما استطاع هؤلاء أن يقوموا بواجبهم في نشر العلم وبثه، ودعوة الناس إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم في الدين والدنيا، فالمؤمن للمؤمنين كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وكالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، كما أخبر الصادق المصدوق، ولهذا فإن أي تقصير أوخلل يحدث في شريحة من شرائح المجتمع المختلفة يكون له تأثيره السلبي على الإسلام والمسلمين.
لذا فلابد من التذكير والمناصحة والأخذ بيد المقصر حتى لا تغرق السفينة، وحتى لا يتواطأ الجميع على الباطل ثم يدعون فلا يُستجاب لهم.
أولًا من العلماء
أشهر الأمثلة وأصدق النماذج لاهتمام بعض العلماء المحسنين الموسرين بطلاب العلم والعلماء، وأكثر المهتمين بنشر العلم وإفشائه بين الناس، على سبيل المثال لا الحصر:
1.سعد بن عبادة رضي الله عنه
سيد الخزرج الجواد الكريم، كان من سلالة كرماء.
قال الذهبي: (وكان سعد وعدة آباء له قبله ينادي على أطمهم: من أحب الشحم واللحم فليأت أطم دُليم بن حارثة) .
ويتمثل سخاء سعد وجوده واهتمامه بالعلم والعلماء وطلابه في الآتي:
أ. كانت له قصعة تدور مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيوت أزواجه حيث دار.
قال الذهبي: (لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان يبعث إليه كل يوم جفنة من ثريد اللحم، أوثريد بلبن وغيره، فكانت جفنة سعد تدور مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيوت أزواجه) .
ب. كان سعد يصحب معه كل ليلة ثمانين من أهل الصفة يعشيهم.
2.جعفر بن أبي طالب الملقب بالطيار رضي الله عنه
من الأسخياء الأجواد الرحماء على طلاب العلم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، دعنا نستمع إلى حافظ السنة أبي هريرة - الذي كان متفرغًا لحفظ الحديث في أول الأمر - يصف لنا جود هذا الصحابي وإحسانه واهتمامه بطلاب العلم الفقراء من أهل الصفة.
قال أبو هريرة رضي الله عنه:"ما احتذى النعال، ولا ركب المطايا، أفضل من جعفر بن أبي طالب"، قال الذهبي: يعني في الجود والكرم.
وقال أبو هريرة كذلك:"كنا نسمي جعفرًا أبا المساكين، كان يذهب بنا إلى بيته، فإذا لم يجد لنا شيئًا أخرج إلينا عُكَّة أثرها عسل فنشقها ونلعقها".
وفي رواية عنه قال:"إن الناس كانوا يقولون أكثر أبو هريرة، وإني كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطني، حتى لا آكل إلا الخمير، ولا ألبس إلا الحبير، ولا يخدمني فلان ولا فلانة، وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني"، ثم ذكر صنيع جعفر بهم.
قلت: ينبغي لطلاب العلم اليوم الاقتداء والتأسي بهذا الصحابي الجليل في الصبر على المشاق، وفي المثابرة على التحصيل، وفي التفرغ لطلب العلم، فلم ينل أبوهريرة ما ناله وكذلك جل الأئمة إلا بالجد والمثابرة، وبالصبرواليقين، فهما الطريق لحيازة الإمامة في الدين.
3.الليث بن سعد (94-175ه)
من العلماء الموسرين الأسخياء المشتغلين بكفالة العلماء وطلاب العلم والمساكين، فقيه مصر ومحدثها الليث بن سعد رحمه الله.
قال الشافعي: الليث أعلم من مالك، إلا أن تلاميذه أضاعوه.
قال ابن قتيبة: كان الليث يتصدق كل يوم على ثلاثمائة مسكين.
أما إنفاقه على العلماء والمحدثين فيدل عليه ما يأتي:
أ. قال سليم بن منصور بن عمار: حدثنا أبي قال: دخلتُ على الليث خلوة فأخرج من تحت وسادة كيس فيه ألف دينار، وقال: يا أبى السَّرى، لا تُعلِم بها ابني، فتهُونَ عليه.
ب. حج الليث، فقدم المدينة، فبعث إليه مالك بن أنس بطبق رطب، فجعل الليث على الطبق ألف دينار ذهب فرده.
ج. وكتب مالك إلى الليث إني أريد أن أدخل بنتي على زوجها، فأحب أن تبعث لي شيئًا من عُصْفر، فبعث إليه بثلاثين حِملًا عُصْفرًا، فباع منه بخمسمائة دينار، وبقي عنده فضلة.
عن أبي صالح كاتب الليث قال: كنا على باب مالك، فامتنع من الحديث، فقلت: ما يشبه هذا صاحبنا؟ قال: فسمعها مالك، فأدخلنا، وقال: من صاحبكم؟ قلت: الليث؛ قال: تشبهوننا برجل كتبتُ إليه في قليل عُصْفر، نصبغ به ثياب صبياننا، فأنفذ منه ما بعنا فضله بألف دينار.
وقال حرملة: كان الليث بن سعد يصل مالكًا بمائة دينار في كل سنة، فكتب إليه مالك: عليَّ دين، فبعث إليه بخمسمائة دينار.
د. احترقت كتب ابن لهيعة فوصله بألف دينار.
ولهذا كان دخله في كل سنة ثمانين ألف دينار، فما وجبت عليه زكاة درهم قط.