فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 1363

لقد ذم السلف الصالح البخل وعابوه، وأكثروا من ذلك، نذكر طرفًا منها:

1.عن علي رضي الله عنه قال:"البخل جلباب المسكنة، وربما دخل السخي بسخائه الجنة"، أي مع قلة أعماله الصالحة إذا مات على التوحيد.

2.خطب الزبير بن العوام رضي الله عنه بالبصرة فقال:"أيها الناس، إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا زبير، إن الله تعالى يقول:"أنفق أنفق عليك، ولا توكئ فيوكأ عليك، وأوسع يوسع الله عليك، ولا تضيق فيضيق الله عليك، واعلم يا زبير أن الله يحب الإنفاق، ولا يحب الإقتار، ويحب السماحة ولو على فلق تمرة، ويحب الشجاعة ولو على قتل حية أوعقرب"."

3.وقال جعفر بن محمد:"قال الله عز وجل: أنا جواد كريم، لا يجاورني في جنتي لئيم".

4.وقالت أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز: أفٍ للبخل، والله لو كان طريقًا ما سلكته، ولو كان ثوبًا ما لبسته"."

5.وقال يونس بن عبد الأعلى: قال الشافعي:"السخاء والكرم يغطي عيوب الدنيا والآخرة، بعد أن لا يلحقه بدعة".

قلت: لأن المبتدع في دين الله لا يقبل منه صرف ولا عدل، أي لا فرض ولا سنة.

6.وقال حبيش بن مبشر الثقفي الفقيه:"قعدتُ مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والناس متوافرون، فأجمعوا أنهم لا يعرفون رجلًا صالحًا بخيلًا".

7.وقال بشر بن الحارث - الحافي:"لا تزوج البخيل ولا تعامله، ما أقبح القارئ أن يكون بخيلًا"، رواه الخلاف في"الأخلاق".

8.وقال بشر الحافي كذلك:"شاطر سخي أحب إلى الله من صوفي بخيل".

البخل قبيح من جميع الخلق

لا شك أن البخل قبيح من جميع الناس، ولكن يزداد قبحه ويسوء فعله من:

1.العلماء.

2.الأغنياء.

3.العباد.

والبخل من العلماء قبيح، سواء كان بخلهم بالمال، أوبالعلم، وبخلهم بالعلم أسوأ من بخلهم بالمال.

قال ابن المبارك رحمه الله:"من بخل بالعلم ابتلي بثلاث: إما موت يُذهب علمه، وإما ينسي، وإما يلزم السلطان فيذهب علمه".

أفضل ما ينفق فيه المال العلمُ الشرعي

سبل الخير كثيرة ومتتنوعة، وكل ميسر لما خلق له، ولكن أفضل وأحسن ما ينفق فيه المحسنون ويبذل فيه الموسرون أموالهم هو بث العلم ونشره، وتعهد العلماء، وطلاب العلم الشرعي، والدعاة، هذا كله بعد صدق النية وتجنب الأذية بالمن والأذى.

قال العالم التاجر المجاهد عبد الله بن المبارك رحمه الله وقد عُزل في إنفاقه على العلماء وطلاب العلم، وعوتب في ذلك، وكان ذلك هو الدافع له للاشتغال بالتجارة، دون أن يقتصر على بلده:"إني أعرف مكان قوم لهم فضل وصدق، طلبوا الحديث فأحسنوا طلبه، لحاجة الناس إليهم احتاجوا، فإن تركناهم ضاع علمهم، وإن أعناهم بثوا العلم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، لا أعلم بعد النبوة أفضل من بث العلم".

طلب العلم ونشره يحتاج فيما يحتاج إليه إلى تفرغ، ولا يمكن لأحد أن يقوم ببث العلم ونشره ولا حتى بطلبه على الوجه المرضي إلا إذا كفي مؤونة المعايش، خاصة في هذا العصر الذي ارتفعت فيه أسباب المعايش وتعسرت، وتعددت فيه متطلبات الحياة واختلفت، خاصة للمتزوجين وأصحاب العيال، فما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.

إذا كان سيد الخلق صلى الله عليه وسلم سأل من يأويه ويمنعه ويحميه حتى يبلغ رسالة ربه، وعرض نفسه على القبائل العربية عندما أعرض عنه قومه في مكة، إلى أن فازت بهذا الخير وحظيت بهذا الأمر الأنصار، لما ادخره سبحانه وتعالى لهم من الكرامة العظيمة، والآلاء الجسيمة في الدنيا والآخرة.

روى ابن إسحاق رحمه الله بسنده إلى العباس رضي الله عنه - وكان وقتها مشركًا - يقول: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى على القبائل العربية يقول:"يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي وتصدقوا بي، وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به".

والعلماء هم ورثة الأنبياء وأتباع الرسل، ومهمتهم تبليغ هذا الدين وإرشاد العالمين، وحاجتهم إلى العناية والرعاية من إخوانهم المسلمين أكثر من حاجة الأنبياء والرسل، لأن الله عاصمهم، ولما زودهم الله به من القناعة والرضا بالقليل، لهذا فقد كان كثير من السلف حريصين على رعاية العلماء وطلاب العلم، مشتغلين بذلك، متكفلين لهم بما يهمهم من أمور معاشهم، وما يعينهم على تفرغهم لطلب العلم ونشره بين العباد.

نماذج لمن كان متكفلًا بطلبة العلم وراعيًا لهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت