ه. وقال: كان ابن المبارك إذا كان وقت الحج اجتمع إليه إخوانه من أهل"مَرْو"، فيقولون: نصحبك؛ فيقول: هاتوا نفقاتكم؛ فيأخذ نفقاتهم، فيجعلها في صندوق، ويقفل عليها، ثم يكتري لهم، ويخرجهم من"مَرْو"إلى بغداد، فلا يزال ينفق عليهم ويطعمهم أطيب الطعام، وأطيب الحلوى، ثم يخرجهم من بغداد بأحسن زي وأكمل مروءة، حتى يصلوا إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقول لكل واحد: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من المدينة من طرفها؟ فيقول: كذا وكذا؛ فيشتري لهم، ثم يخرجهم إلى مكة، فإذا قضوا حجهم قال لكل واحد منهم: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من متابع مكة؟ فيقول: كذا وكذا؛ فيشتري لهم، ثم يخرجهم من مكة، فلا يزال ينفق عليهم إلى أن يصلوا إلى"مَرْو"، فيجصص بيوتهم وأبوابهم، فإذا كان بعد ثلاثة أيام عمل لهم وليمة وكساهم، فإذا أكلوا وسرُّوا دعا بالصندوق ففتحه ودفع إلى كل منهم صرته، عليها اسمه.
5.المحدث الفقيه الإمام الحجة دعلج بن أحمد بن دعلج (259-353ه)
ممن كانت لهم صدقات جارية على العلماء والمحدثين دعلج هذا.
قال الذهبي: قال الحاكم: دعلج الفقيه شيخ أهل الحديث في عصره، له صدقات جارية على أهل الحديث بمكة وببغداد وسجستان.
وقال الخطيب البغداد: كان دعلج من ذوي اليسار، له وقوف على أهل الحديث.
وحكى الخطيب كذلك: أن رجلًا صلى الجمعة، فرأى رجلًا متنسكًا لم يُصَلِّ، فكلمه، فقال: استر عليَّ لدعلج عليَّ خمسة آلاف، فلما رأيته أحدثتُ؛ فبلغ ذلك دعلجًا، فطلبه إلى منزله وحلله من المال، ووصله بمثلها لكونه روَّعه.
ثانيًا: من الخلفاء والوزراء
من الخلفاء والحكام والأمراء والوزراء الذين كانوا يعنون بالعلم والعلماء ويقومون بكفالتهم ورعايتهم وتفقد أحوالهم، على سبيل المثال لا الحصر:
1.الخليفة العباسي هارون الرشيد
قال عنه عبد الله بن المبارك: (ما رأيتُ عالمًا، ولا قارئًا للقرآن، ولا سابقًا للخيرات، ولا حافظًا للحرمات، في أيام بعد أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيام الخلفاء الراشدين والصحابة، أكثر منهم في زمن الرشيد وأيامه، لقد كان الغلام يجمع القرآن وهو ابن ثمان سنين، ولقد كان الغلام يستبحر في الفقه والعِلم ويروي الحديث ويجمع الدواوين ويناظر المعلمين وهو ابن إحدى عشرة سنة؛ وما ذلك إلا بكثرة إنفاقه واهتمامه بالعلم والعلماء وطلابه.
2.الأمير المعز بن باديس
أحد أمراء دولة الصنهاجيين في المغرب الإسلامي، كان لا يسمع بعالم جليل إلا أحضره عنده وجعله من خاصته، وبالغ في إكرامه، وعوَّل على آرائه، ومنحه أسمى الرتب.
3.الخليفة الموحدي الثالث المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن
الذي أنشأ"بيت الطلبة"، وأشرف عليه بنفسه، وعندما بلغه حسد بعض حاشيته على موضع الطلبة النابغين عنده فزع منهم وخاطبهم قائلًا: يا معشر الموحدين أنتم قبائل، فمن نابه منكم أمر فزع إلى قبيلته، وهؤلاء الطلبة لا قبيلة لهم إلا أنا، فمهما نابهم من أمر فأنا ملجأهم، وإليَّ فزعهم، وإلي ينسبون؛ وقد بالغ في عنايته بالطبيب أبي بكر بن زهر.
4.صلاح الدين الأيوبي
كان من الحكام الراعين للعلم والعلماء من أهل السنة، المقربين لهم، لقد أزال هذا الحاكم الصالح والبطل الفالح كل آثار دولة الظلم والعدوان الدولة العبيدية في مصر، هذا بجانب تخليصه لبيت المقدس من الصليبيين.
5.الوزير ابن هبيرة
كان من العلماء، ولهذا كان مقربًا ومكرمًا لأهل العلم.
6.الوزير نظام الملك السلجوقي
مؤسس المدرسة النظامية ببغداد وغيرها، المحتضن لكثير من أهل العلم في عصره، كالإمام الغزالي، وإمام الحرمين ابن الجويني، وغيرهما كثير، والذي عمل كذلك على القضاء على الدولة الرافضية - الدولة البويهية - كما فعل صلاح الدين رحمهما الله.
قلت: لا غرابة أن يهتم بعض الحكام برعاية العلم الشرعي وبكفالة العلماء وطلاب العلم، فهذا من أوجب واجباتهم، ومن أولى مسؤولياتهم، ومع ذلك يشكرون على قيامهم بواجبهم، ويثابون على ذلك ويحمدون، وتخلد مآثرهم وتذاع.
أما أن يقوم بعض الموسرين المحسنين بهذا الواجب الذي غفل عنه كثير من الحكام وأهملوه، فهذا ما يفرح النفس ويثلج الصدر، لأنهم بذلك يرفعون الحرج عن جميع الأمة، لأن الفروض الكفائية نحو نشر العلم وبثه، والأمر والنهي، وجهاد الطلب، إذا تركتها جميع الأمة أثمت، واستحقت غضب الله وسخطه.
فهنيئًا لكم أيها الموسرون المحسنون العاملون على نشر العلم وبثه، وعلى رعاية العلماء وطلاب العلم، وعلى طبع الكتب والرسائل، وبارك الله لكم في أموالكم وأولادكم وأهليكم، وتقبل منكم، وثقل بذلك موازينكم يوم تطيش الموازين، وأمنكم يوم الفزع الأكبر.