فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 1363

وكان أبو موسى رجلًا ، تقيًا ، ثقِفًا ، فقيهًا ، عالمًا ، حسبما بيناه في كتاب"سراج المريدين"، أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن مع معاذ ، وقدمه عمر وأثنى عليه بالفهم ، وزعمت الطائفة التاريخية الركيكة أنه كان أبله ضعيف الرأي مخدوعًا في القول ، وأن ابن العاص كان ذا دهاء وأرب حتى ضربت الأمثال بدهائه ، تأكيدًا لما أرادت من الفساد ، اتبع في ذلك بعض الجهال بعضًا وصنفوا فيه حكايات ، وغيره من الصحابة كان أحذق منه وأدهى ، وإنما بنوا ذلك على أن عمرًا لما غدر أبا موسى في قصة التحكيم صار له الذكر في الدهاء والمكر .

وقالوا إنهما لما اجتمعا بأذرُح من دُومة الجندل ، وتفاوضا ، اتفقا على أن يخلعا الرجلين ، فقال عمرو لأبي موسى: اسبق بالقول ، فتقدم فقال:"إني نظرت فخلعت عليًا عن الأمر ، وينظر المسلمون لأنفسهم ، كما خلعتُ سيفي هذا من عنقي أو من عاتقي"، وأخرجه من عنقه فوضعه في الأرض ، وقام عمرو فوضع سيفه في الأرض ، وقال:"إني نظرت فأثبت معاوية في الأمر ، كما أثبت سيفي هذا في عاتقي"، وتقلده ، فأنكر أبو موسى ، فقال عمرو:"كذلك اتفقنا"، وتفرق الجمع على ذلك من الاختلاف .

عاصمة

قال القاضي أبو بكر رضي الله عنه: هذا كله كذب صراح ، ما جرى منه حرف قط ، وإنما هو شيء أخبر عنه المبتدعة ، ووضعته التاريخية للملوك ، فتوارثه أهل المجانة والجهارة بمعاصي الله والبدع ، وإنما الذي روى الأئمة الثقات الأثبات أنهما لما اجتمعا للنظر في الأمر ـ في عصبة كريمة من الناس ، منهم ابن عمر ونحوه ـ عزل عمرو معاوية.

ذكر الدارقطني بسنده إلى حضين بن المنذر: لما عزل عمرو معاوية جاء ـ أي حضين بن المنذر ـ فضرب فسطاطه قريبًا من فسطاط معاوية ، فبلغ نبأه معاوية ، فأرسل إليه فقال: إنه بلغني عن هذا ـ أي عن عمرو ـ كذا وكذا ، فاذهب فانظر ما هذا الذي بلغني عنه . فأتيته ، فقلت: أخبرني عن الأمر الذي وليت أنت وأبو موسى كيف صنعتما فيه ؟ قال: قد قال الناس في ذلك ما قالوا ، والله ما كان الأمر على ما قالوا ، ولكن قلت لأبي موسى: ما ترى في هذا الأمر ؟ قال: أرى أنه في النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ . قلت: فأين تجعلني أنا ومعاوية ؟ قال: إن يستعن بكما فيكما معونة ، وإن يستغن عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكما . قال: فكانت هي التي فتل معاوية منها نفسه ، فأتيته فأخبرته ـ أي فأتى حضينُ معاوية فأخبره ـ أن الذي بلغه كما بلغه ، فأرسل إلى أبي الأعور الذكواني فبعثه في خيله ، فخرج يركض فرسه ويقول أين عدو الله أين هذا الفاسق ؟

قال أبو يوسف: أظنه قال:"إنما يريد حوباء نفسه"، فخرج عمرو إلى فرس تحت فسطاطه فجال في ظهره عريانًا، فخرج يركضه نحو فسطاط معاوية ، هو يقول:"إن الضجور قد تحتلب العُلبة، يا معاوية إن الضجور قد تحتلب العلبة"، فقال معاوية:"أجل، وتربِذُ الحالب فتدق أنفه، وتكفأ إناءه".

قال الدارقطني ـ وذكر سندًا عدلًا ـ ربعي عن أبي موسى أن عمرو بن العاص قال:"والله لئن كان أبو بكر وعمر تركا هذا المال وهو يحل لهما منه شيء لقد غبنا ونقص رأيهما، وأيم الله ما كانا مغبونين ولا ناقصي الرأي ، ولئن كانا امرأين يحرم عليهما هذا المال الذي أصبناه بعدهما لقد هلكنا، وأيم الله ما جاء الوهم إلا من قبلنا".

فهذا كان بدء الحديث ومنتهاه ، فأعرضوا عن الغاوين ، وازجروا العاوين ، وعرجوا عن سبيل الناكثين ، إلى سنن المهتدين ، وأمسكوا الألسنة عن السابقين إلى الدين ، وإياكم أن تكونوا يوم القيامة من الهالكين بخصومة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد هلك من كل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خصمه ، ودعوا ما مضى ، فقد قضى الله ما قضى ، وخذوا لأنفسكم الجد فيما يلزمكم اعتقادًا وعملًا ، ولا تسترسلوا بألستنكم فيما لا يعنيكم مع كل ناعق اتخذ الدين هملًا ، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا ، ورحم الله الربيع بن خيثم فإنه لما قيل له: قتل الحسين ! قال: أقتلوه ؟ قالوا: نعم . فقال:"اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون"، ولم يزد على هذا أبدًا ، فهذا العقل والدين ، والكف عن أحوال المسلمين ، والتسليم لرب العالمين .

خامسًا: قيام السيد الحسين رضي الله عنه، وخذلان الرافضية له، واستشهاده على يد ابن مرجانة

• بعد موت معاوية رضي الله عنه وولاية يزيد وخروج الحسين إلى مكة وعدم دخوله في بيعة يزيد، توالت الكتب من أهل العراق على الحسين تدعوه للقدوم إليهم ليبايعوه حيث بلغت الكتب والرسائل أكثر من 150 كتابًا .

• عندما عزم الحسين رضي الله عنه على الخروج إلى أهل العراق نهاه كل الناس عن الخروج وحذروه مغبة ذلك ، وذكروه بخذلان الرافضة لأبيه ولأخيه الحسن من قبل ، ولكن أراد الله للحسين الشهادة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت