وقد ثبت في الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند إسته بقدر غدره"، قال: وإن من أعظم الضرر ، بغي بإمام المسلمين، وهذا حدث به عبد الله بن عمر لما قام قوم من أهل المدينة يخرجون عن طاعة ولي أمرهم ينقضون بيعته، وفي صحيح مسلم عن نافع قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان ، زمن يزيد بن معاوية ، فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة. فقال: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثًا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من خلع يدًا لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية").
ولله در الحسن البصري الرضي، ما أعقله، وأعلمه، وأبصره، حين أتاه رهط يريدون الخروج في زمن الأمويين: (فأمرهم أن يلزموا بيوتهم، ويغلقوا عليهم أبوابهم، ثم قال: والله لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا، ما لبثوا أن يرفع الله عز وجل ذلك عنهم ، وذلك أنهم يفزعون إلى السيف فيوكلون إليه، والله ما جاءوا بيوم خير قط . ثم تلا:"وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون") .
الخارجون صنفان
الذين قاموا على الأئمة وخرجوا عليهم في الماضي ليسوا سواء ، فهم صنفان:
1.باغون مفسدون خارجون .
2.متأولون مأجورون .
يمثل الصنف الأول: المتنبئون ومانعوا الزكاة في عهد أبي بكر رضي الله عنه ، والخوارج الرافضة بفرقهم المختلفة ، ومن لف لفهم .
ويمثل الصنف الثاني: أهل الجمل ، وصفين ، والحسين ، وابن الزبير ، وأصحاب الحرة ، وابن الأشعث ومن معه من القراء.
وبين الصنفين من الفروق ما بين السماء والأرض.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقد سئل عن"البغاة والخوارج"هل هي ألفاظ مترادفة أم بينهما فرق؟:(الحمد لله، أما قول القائل: إن الأئمة اجتمعت على أن لا فرق بينهما إلا في الاسم، فدعوى باطلة، ومدعيها مجازف ، فإن نفي الفرق إنما هو قول طائفة من أهل العلم من أصحاب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، مثل كثير من المصنفين في"قتال أهل البغي"، فإنهم قد يجعلون قتال أبي بكر لمانعي الزكاة ، وقتال علي الخوارج ، وقتاله لأهل الجمل وصفين ، إلى غير ذلك من قتال المنتسبين إلى الإسلام من باب"قتال أهل البغي".
ثم مع ذلك فهم متفقون على أن مثل طلحة ، والزبير ، ونحوهما من الصحابة من أهل العدالة ، لا يجوز أن يحكم عليهم بكفر ولا فسق ، بل مجتهدون ، إما مصيبون ، وإما مخطئون ، وذنوبهم مغفورة لهم ، ويطلقون القول بأن البغاة ليسوا فساقًا .
فإذا جعل هؤلاء وأولئك سواء لزم أن تكون الخوارج وسائر من يقاتلهم من أهل الاجتهاد الباقين على العدالة سواء ، ولهذا قالت طائفة بفسق البغاة ، ولكن أهل السنة متفقون على عدالة الصحابة .
وأما جمهور أهل العلم فيفرقون بين"الخوارج المارقين"، وبين"أهل الجمل وصفين"، وغير أهل الجمل وصفين ممن بعد البغاة المتأولين ، وهذا هو المعروف عن الصحابة ، وعليه عامة أهل الحديث ، والفقهاء ، والمتكلمين ، وعليه نصوص أكثر الأئمة وأتباعهم ، من أصحاب مالك ، وأحمد، والشافعي ، وغيرهم .
وذلك أنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، تقتلهم أولى الطائفتين بالحق".
وهذا الحديث يتضمن ذكر الطوائف الثلاثة ، ويبين أن من المارقين نوع ثالث ، ليسوا من جنس أولئك ، فإن طائفة عليّ أولى بالحق من طائفة معاوية .
وقال في حق الخوارج المارقين:"يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، وقراءته مع قراءتهم ، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، أينما لقيتموهم فاقتلوهم ، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة".
إلى أن قال:
وأما أهل الجمل وصفين ، فكانت منهم طائفة قاتلت من هذا الجانب، وأكثر أكابر الصحابة لم يقاتلوا لا من هذا الجانب ، ولا من هذا الجانب ، واستدل التاركون للقتال بالنصوص الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ترك القتال في الفتنة ، وبينوا أن هذا قتال فتنة .
وكان علي رضي الله عنه مسرورًا لقتال الخوارج ، ويروي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بقتالهم ، وأما قتال"صفين"، فذكر أنه ليس معه فيه نص ، وإنما هو رأي رآه ، وكان أحيانًا يحمد من لم ير القتال ) .
الخسائر والأضرار التي لحقت بالدين وبالمسلمين من جراء ذلك قديمًا وحديثًا
الخسائر والأضرار التي منيت بها الأمة الإسلامية من جراء خلع البيعة عن الأئمة ، والخروج عليهم بالسيف ، وقتالهم ، وتفريق كلمتهم ، لا يعلمها إلا الله ، والراسخون في العلم ملمون بجلها ، وسنشير إلى طرف منها ، فنقول: