وقال الإمام أبو العباس القرطبي المالكي رحمه الله في كتابه"المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم"، في شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم:"على المرء المسلم السمع والطاعة": (ظاهر في وجوب السمع والطاعة للأئمة ، والأمراء، والقضاة، ولا خلاف فيه إذا لم يأمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا تجوز طاعته في تلك المعصية قولًا واحدًا ، ثم إن كانت تلك المعصية كفرًا وجب خلعه على المسلمين كلهم ، وكذلك لو ترك إقامة قاعدة من قواعد الدين، كإقام الصلاة ، وصوم رمضان ، وإقامة الحدود ، ومنع من ذلك ؛ وكذلك لو أباح شرب الخمر، والزنى، ولم يمنع منها ، لا يختلف في وجوب خلعه ، فأما لو ابتدع بدعة ، ودعا الناس إليها، فالجمهور على أنه يخلع ؛ وذهب البصريون إلى أنه لا يخلع ، تمسكًا بقوله عليه الصلاة والسلام:"إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان"، وهذا يدل على استدامة ولاية المتأول ، وإن كان مبتدعًا ؛ فأما لو أمر بمعصية مثل أخذ مال بغير حق ، أو قتل ، أو ضرب بغير حق ، فلا يطاع في ذلك ، ولا ينفذ أمره ، ولو أدى ذلك إلى ضرب ظهر المأمور وأخذ ماله ، إذ ليس دم أحدهما ، ولا ماله بأولى من دم الآخر ، ولا ماله ، وكلاهما يحرم شرعًا ، إذ هما مسلمان ، ولا يجوز الإقدام على واحد منهما ، لا للآمر ، ولا للمأمور ، لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، كما ذكره الطبري ، ولقوله هنا:"فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة"، فأما قوله في حديث حذيفة:"اسمع وأطع ، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك"، فهذا أمر للمفعول به ذلك للاستسلام، والانقياد، وترك الخروج عليه مخافة أن يتفاقم الأمر إلى ما هو أعظم من ذلك ؛ ويحتمل أن يكون ذلك خطابًا لمن يفعل به ذلك بتأويل يسوغ للأمير بوجه يظهر له، ولا يظهر ذلك للمفعول به ؛ وعلى هذا يرتفع التعارض بين الأحاديث ، ويصح الجمع، والله أعلم) .
وقال الإمام الآجري رحمه الله في ذم الخروج المسلح ، وخلع بيعة الأئمة ، ورد السنن التي تخالف الأهواء في شخص الخوارج ، لأنهم أول من سلك هذا المسلك المشين ، وابتدع هذه البدعة المضلة المذلة:(لم يختلف العلماء قديمًا وحديثًا أن الخوارج قوم سوء، عصاة لله عز وجل، ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وإن صلوا، وصاموا، واجتهدوا في العبادة، فليس ذلك بنافع لهم، وإن أظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وليس ذلك بنافع لهم ، لأنهم قوم يتأولون القرآن على ما يهوون، ويموهون على المسلمين، وقد حذرنا الله عز وجل منهم ، وحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم، وحذرنا الخلفاء الراشدون بعده، وحذرنا الصحابة رضي الله عنهم، ومن تبعهم بإحسان رحمة الله تعالى عليهم.
والخوارج هم الشراة، الأنجاس، الأرجاس، ومن كان على مذهبهم من سائر الخوارج، يتوارثون هذا المذهب قديمًا وحديثًا ، ويخرجون على الأئمة والأمراء ، ويستحلون قتل المسلمين .
وأول قرن طلع منهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو رجل طعن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم الغنائم بالجِعرَّانة ، فقال: اعدل يا محمد ، فما أراك تعدل . فقال صلى الله عليه وسلم:"ويلك فمن يعدل إذا لم أكن أعدل؟"، فأراد عمر رض الله عنه قتله ، فمنعه النبي صلى الله عليه وسلم من قتله ، وأخبر عليه الصلاة والسلام:"أن هذا وأصحابًا يحقر أحدُكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"، وأمر عليه الصلاة والسلام في غير حديث بقتالهم ، وبين فضل من قتلهم وقتلوه.
ثم إنهم بعد ذلك خرجوا من بلدان شتى ، واجتمعوا ، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى قدموا المدينة ، وقتلوا عثمان رضي الله تعالى عنه ، وقد اجتهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن كان في المدينة في أن لا يقتل عثمان فما أطاقوا ذلك .
ثم خرجوا بعد ذلك على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ولم يرضوا بحكمه ، وأظهروا قولهم ، وقالوا:"لا حكم إلا لله"، فقال علي رضي الله عنه:"كلمة حق أرادوا بها الباطل"، فقاتلهم علي رضي الله عنه ، فأكرمه الله عز وجل بقتلهم ، وأخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بفضل من قتلهم أو قتلوه ، وقاتل معه من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ، فصار سيف علي بن أبي طالب في الخوارج سيف حق إلى أن تقوم الساعة ) .
وقال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم الإمام رحمه الله:( وأما أهل العلم والدين والفضل فلا يرخصون لأحد فيما نهى الله عنه من معصية ولاة الأمور ، وغشهم ، والخروج عليهم بوجه من الوجوه، كما قد عرف من عادات أهل السنة والدين قديمًا وحديثًا ، ومن سيرة غيرهم .