فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 1363

قال الإمام النووي رحمه الله في شرح قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق:".. وأن لا تنازعوا الأمر أهله"، قال:"إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان":( كفرًا ظاهرًا، والمراد بالكفر المعاصي ، ومعنى"عندكم من الله فيه برهان"أي تعلمونه من دين الله تعالى، ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ، ولا تعترضوا عليهم ، إلا أن تروا منهم منكرًا محققًا تعلمونه من قواعد الإسلام ، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم ، وقولوا بالحق حيث ما كنتم، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين ، وإن كانوا فسقة ظالمين ، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق ، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل أيضًا ، فغلط من قائله مخالف للإجماع ، قال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء ، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه ، قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر ، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل ، قال: وكذا لو ترك إقامة الصلوات ، والدعاء إليها. قال: وكذلك عند جمهورهم البدعة ، قال: وقال بعض البصريين: تنعقد له وتستدام له ، لأنه متأول، قال القاضي: فلو طرأ عليه كفر ، وتغيير للشرع ، أو بدعة ، خرج عن حكم الولاية، وسقطت طاعته ، ووجب على المسلمين القيام عليه ، وخلعه ، ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر ، ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه ، فإن تحققوا العجز لم يجب القيام، وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها، ويفر بدينه. قال: ولا تنعقد لفاسق ابتداء، فلو طرأ على الخليفة فسق قال بعضهم: يجب خلعه ، إلا أن تترتب عليه فتنة وحرب.

وقال جمهور أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل بالفسق ، والظلم ، وتعطيل الحقوق، ولا يخلع ، ولا يجوز الخروج عليه بذلك ، بل يجب وعظه وتخويفه للأحاديث الواردة في ذلك. قال القاضي: وقد ادعى أبو بكر بن مجاهد في هذا الإجماع ، وقد رد عليه بعضهم هذا بقيام الحسين، وابن الزبير ، وأهل المدينة على بني أمية ، وبقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج مع ابن الأشعث ، وتأول هذا القائل قوله:"أن لا ننازع الأمر أهله"في أئمة العدل، وحجة الجمهور أن قيامهم على الحجاج ليس بمجرد الفسق ، بل لما غير من الشرع وظاهر من الكفر، قال القاضي: وقيل إن هذا الخلاف كان أولًا ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم، والله أعلم).

قلت: ليس في قيام الحسين رضي الله عنه وغيره من الأخيار رد على ما أجمع عليه أهل السنة، لأنهم كانوا متأولين مأجورين إن شاء الله ، أما زعم من زعم أن سبب قيام هؤلاء الأخيار على الحجاج كان سببه الكفر فهذا افتراء محض ، حيث كانت الدولة الأموية تقيم الشرع وتلتزم بالإسلام وإنما كان الحجاج فاسقًا مبيرًا لا يتحرج من سفك الدم الحرام ، وانتهاك حرمة الحرمين الشريفين ، بل كان الحجاج وغيره من الأمراء ، والولاة ، والقادة الأمويين ، يحتجون على الذين قاموا عليهم بالأحاديث السابقة ، وأنهم خرجوا على طاعة إمام المسلمين ، وخرجوا عليه بالسيف ، فيجب قتالهم ويتحتم دفعهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت