فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 1363

وما فعله عمر بن عبد العزيز في القرن الأول فعله الطالبان في أفغانستان في القرن الرابع عشر الهجري ، حيث حكموا شرع الله في كل مناحي الحياة، من أول قدومهم إلى الحكم، ولمدة سبع سنوات، في ظروف قاسية، ومواجهات صعبة من المنتسبين إلى الإسلام قبل الكافرين، فقد نصروا الله فسينصرهم الله إن عاجلًا أو آجلًا، فالنصر بيد الله، والحكم لله يهبه لمن يشاء وينزعه عمن يشاء، فهو لا يدوم، ولو كان يدوم لما وصل إليك أخي الحاكم، فالعبرة بإقامة الشرع والعدل، وليس بطول مدة الحكم، فالشقي من طالت مدته وساءت أعماله.

الخروج المسلح وخطره على الإسلام ، قديمًا وحديثًا

معظم الفتن والنكبات التي حلت بالمسلمين مردها إلى ثلاثة أسباب، هي:

أولًا: تسلط بعض أهل الأهواء على الحكم أو إزاغتهم لبعض الحكام ، نحو:

1.فتنة خلق القرآن: حيث أزاغ بعض رؤوس الفتنة من المعتزلة الخليفة المأمون العباسي، وأخاه المعتصم، وابنه الواثق عن الجادة، وامتحنوا أئمة أهل السنة الأخيار، والعلماء الأبرار، منهم الإمام أحمد بن نصر الخزاعي (ت 231 ه) والإمام أحمد بن حنبل (ت 241 ه) ، والحافظ أبو نُعيم الفضل بن دكين (ت 210 ه) ، والإمام أبو يعقوب البوطي صاحب الشافعي (ت 231ه) ، والحافظ عفان بن مسلم (ت 220ه ) ، والإمام محمد بن نوح، والإمام محمد بن عبد الرحمن الأدرمي، رحمهم الله جميعًا، حتى رفعها الخليفة المتوكل العباسي رحمه الله.

2.فتنة أبي طاهر القرمطي حين خرج على الدولة الإسلامية وأقام دولة رافضية بالأحساء والبحرين، وقد جمع هؤلاء بين السوءتين وخلطوا بين ضلالتين: الخروج عن الدولة الإسلامية، بجانب ابتداعهم وتمسكهم بهذا المذهب الشيطاني الرافضي، فعاثوا في الأرض الفساد، ونشروا الذعر والرعب بين العباد، وقتلوا عشرات الآلاف، فنسأل الله أن يصب عليهم وعلى خلفهم سوط عذاب.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله، واصفًا ما حل بالحجيج بمكة سنة 317هـ على يد القرامطة لعنهم الله:(فيها خرج ركب العراق وأميرهم منصور الديلمي، فوصلوا إلى مكة سالمين، وتوافدت الركوب هناك من كل مكان وجانب وفج، فما شعروا إلا بالقرمطي قد خرج عليهم في جماعته يوم التروية، فانتهب أموالهم، واستباح قتالهم، فقتل في رحاب مكة وشعابها، وفي المسجد الحرام، وفي جوف الكعبة من الحجاج خلقًا كثيرًا، وجلس أميرهم أبو طاهر لعنه الله على باب الكعبة، والرجال تصرع حوله، والسيوف تعمل في الناس في المسجد الحرام ، في الشهر الحرام، في يوم التروية، الذي هو من أشرف الأيام، وهو يقول: أنا الله، وبالله أنا، أنا أخلق الخلق، وأفنيهم أنا. فكان الناس يفرون منهم ويتعلقون بأستار الكعبة، فلا يجدي ذلك عنهم شيئًا ، بل يقتلون وهم كذلك، ويطوفون فيقتلون في الطواف، وقد كان بعض أهل الحديث يومئذ يطوف فلما قضى طوافه، أخذته السيوف، فلما وجب أنشد وهو كذلك:

ترى المحبين صرعى في ديارهم كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا

فلما قضى القرمطي لعنه الله أمره، وفعل ما فعل بالحجيج من الأفاعيل القبيحة، أمر أن تدفن القتلى في بئر زمزم، ودفن كثيرًا منهم في أماكنهم من الحرم، وفي المسجد الحرام، ويا حبذا تلك القبلة، وتلك الضجعة، وذلك المدفن والمكان، ومع هذا لم يغسلوا ولم يكفنوا، ولم يصل عليهم لأنهم محرمون شهداء في نفس الأمر؛ وهدم قبة زمزم، وأمر بقلع باب الكعبة، ونزع كسوتها عنها، وشققها بين أصحابه، وأمر رجلًا أن يصعد إلى ميزاب الكعبة فيقتلعه، فسقط على أم رأسه فمات في النار، فعند ذلك انكف الخبيث عن الميزاب، ثم أمر أن يقلع الحجر الأسود، فجاءه رجل فضربه بمثقل في يده، وقال: أين الطير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل؟ ثم قلع الحجر الأسود، وأخذوه حين راحوا معهم إلى بلادهم، فمكث عندهم ثنتين وعشرين سنة حتى ردوه).

3.فتنة الفاطميين بشمال إفريقيا ومصر: ما فعله القرامطة الزنادقة الملحدون فعله الفاطميون الضالون المنحرفون ، فقد كانوا ممالئين للقرامطة ، وعلى ملتهم الخبيثة ، وعقيدتهم الفاسدة ، فقد خرجوا على الدولة الإسلامية ، واقتطعوا منها ذلك الجزء ، وأذاقوا أهل السنة خاصة العلماء والفقهاء والمصلحين والدعاة شر الويلات ، وقتلوا منهم عشرات الآلاف ، وسجنوا وضربوا وآذوا عباد الله الصالحين ، وعملوا على إفساد عقائد المسلمين .

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله وهو يتحدث عن القرامطة لعنهم الله: (وقد كانوا ممالئين للفاطميين الذين نبغوا في هذه السنة ببلاد إفريقيا من أرض المغرب ، ويلقب أميرهم بالمهدي ، وهو أبو محمد عبيد الله بن ميمون القداح ، وقد كان صباغًا بسلمية ، وكان يهوديًا فادعى أنه أسلم ثم سافر من سلمية فدخل بلاد إفريقيا ، فادعى أنه شريف فاطمي ، فصدقه على ذلك طائفة كثيرة من البربر وغيرهم من الجهلة ، وصارت له دولة ... وكان هؤلاء القرامطة يراسلونه ، ويدعون إليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت