3.إذا هجم العدو وغزا بلدًا من بلاد الإسلام تعين على أهل تلك البلاد صده ودفعه وإن لم يتمكنوا من صده تعين على من يليهم، وهكذا حتى يشمل سائر بلاد الإسلام، كحال إخواننا في فلسطين، والعراق، وأفغانستان، وكشمير، وغيرها.
قال الإمام القرطبي رحمه الله:(وذلك إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار، أوبحلوله بالعقر، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا، ويخرجوا إليه خفافًا وثقالًا، شبابًا وشيوخًا، كل على قدر طاقته، من كان له أب بغير إذنه، ومن لا أب له، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أومكثر، فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة، حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم، وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضًا الخروج إليهم، فالمسملون كلهم يد على من سواهم، حتى إذا دفع أهل الناحية التي نزل العدو عليها، واحتل بها، سقط فرض العين عن الآخرين.
ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضًا الخروج إليه، حتى يظهر دين الله، وتحمى البيضة، وتحفظ الحَوْزة، ويُخزى العدو، ولا خلاف في هذا).
4.يجب على إمام المسلمين كذلك غزو العدو في كل عام مرة، وكان لبني أمية غزوتان للكفار، إحداهما في الصيف وتسمى"الصائفة"، وأخرى في الشتاء وتسمى"الشاتية"، لإدخال الكفار في دين الإسلام، ولإرهابهم، ولإشعارهم بعزة الإسلام وأهله.
جهاد الدفع يختلف عن جهاد الطلب
يختلف جهاد الدفاع عن جهاد الطلب في أمور هي:
1.في حكمه، فحكمه الوجوب، وحكم جهاد الطلب من غير نفير أنه فرض كفاية.
2.لا يشترط فيه إذن والدين ولا غيرهما، بينما يتعين إذن الوالدين في فرض الكفاية.
3.لا يشترط أن يكون تحت راية أوإمرة الإمام الأكبر للمسلمين، ولا يحتاج لإعلان، ويمكن أن يكون تحت إمرة أحد المجاهدين، كما هو الحال في فلسطين، والعراق، وأفغانستان، وغيرها من البلاد المغصوبة.
4.لا يشترط فيه تكافؤ العدد والعتاد، قال القاسم بن مخيمرة المتوفى 100ه: لو حمل الرجل على عشرة آلاف لم يكن بذلك بأس.
نصر المسلمين مرهون بنصرهم لله عز وجل"إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم"
لم يتفوق المسلمين على الكفار في جميع غزواتهم ومعاركهم على عدوهم في العدد ولا في العُدَّة، بدءًا ببدر الكبرى، وانتهاء"بعين جالوت"وما بعدها، وإنما كانوا يستنزلون النصر من عند الله بالآتي:
1.نصرهم لدين الله عقيدة، وشريعة، ومعاملة، وسلوكًا، وآدابًا.
2.التوكل على الله والاعتماد عليه.
3.بالثبات، والصبر، والمصابرة، فما الشجاعة إلا صبر ساعة.
4.الدعاء والتضرع والابتهال.
5.بالخديعة والحيل، فالحرب خُدْعة.
6.باجتناب الذنوب والمعاصي.
• ... روي أن عمرو بن عبد وُدٍ لما بارز عليًا وأقبل عليه، قال له عليّ: ما برزتُ لأقاتل اثنين؛ فالتفت عمرو، فوثب عليه عليٌّ فضربه؛ فقال عمرو: خدعتني؛ فقال: الحرب خُدعة.
• ... قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من لكعب بن الاشرف، فقد آذى الله ورسوله؟ فقال محمد بن مسلمة: أتحب أن أقتله يا رسول الله؟ قال: نعم؛ فأتاه، فقال: إن هذا - يعني النبي - قد عنانا وسألنا الصدقة؛ قال: وأيضًا والله لتمُلنَّه؛ قال: فإنا اتبعناه فنكره أن ندعه حتى ننظر إلى ما يصير أمره؛ قال: فلم يزل يكلمه حتى استمكن منه فقتله".
وقد فعل مثل هذا أمير المؤمنين الهادي لما حمل عليه الخارجي وليس عنده أحد، ولا معه سلاح، فلم يتحرك من مكانه إلى أن قرب منه، فصاح: اضرب عنقه؛ كأنه يأمر أحدًا من وراء الخارجي، فالتفت الخارجي إلى خلفه لينظر المأمور، فوثب عليه الهادي وثبة صار على صدره، وأخذ منه السيف وذبحه به.
ولهذا جاء في المثل:"رُبَّ حيلة أنفع من قبيلة".
وهذا يدل على جواز الخدعة في الحرب، للحديث الصحيح:"الحرب خدعة".
قال النووي: (واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما أمكن إلا أن يكون فيه نقض عهد أوأمان فلا يجوز؛ قال ابن العربي: الخداع في الحرب يقع بالتعريض وبالكمين ونحو ذلك؛ وفي الحديث إشارة إلى استعمال الرأي في الحرب، بل الاحتياج إليه آكد من الشجاعة) .
ولله در أبو الطيب حين قال:
الرأي فوق شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني
أما الدعاء فهو سلاح المستضعفين، وحاجة المجاهدين إليه لا تدانيها حاجة، إذ لم يستغن عنه رسول هذه الأمة المؤيد بالوحي، والموعود بالنصر، فقد دعا صبيحة بدر الليل كله، ودعا يوم الأحزاب على المشركين، فقال:"اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اللهم اهزمهم وزلزلهم"، وكذلك كان يفعل المجاهدون.