7.وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم".
متى شرع جهاد الدفع - الجهاد الهجري؟
شرع جهاد الدفع بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم للمدينة في حال ضعف المسلمين وعدم استطاعتهم على جهاد الطلب، فأضعف الإيمان أن يدفعوا عن دينهم، وعن وجودهم، وحريمهم، وأعراضهم، وأموالهم، وأن يقاتلوا من قاتلهم.
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله:(فلما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وأيده الله بنصره وبعباده المؤمنين الأنصار.. فاذن لهم حينئذ في القتال، ولم يفرضه عليهم، فقال تعالى:"أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير".
إلى أن قال: ثم فرض عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم، فقال:"وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم"، ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة) .
وقال القرطبي: (وهي أول آية نزلت في القتال، قال ابن عباس وابن جبير: نزلت عند هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة) .
لكن عندما قويت شوكة الإسلام، واشتد عوده، وصدق أتباعه وجنوده، لم يقنعوا بجهاد الدفع، بل خرجوا طائعين مختارين هاجرين للأولاد والبلاد، لتقديم هذا الدين لمن يليهم من خلق الله، ففتحوا بذلك قلوب العباد قبل البلاد، وأخرجوا من شاء الله لهم الهداية من جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن عبادة العباد والحيوان والجماد إلى عبادة الواحد القهار.
فلما ركن المسلمون إلى الدنيا في عصورهم المتأخرة، وآثروا الفانية على الباقية، و"ضنوا بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم البلاء فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم"، فصدقت فيهم نبوة نبيهم:"يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة على قصعتها"، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السبيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن"، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال:"حب الدنيا، وكراهية الموت"، فحل بهم ما حل من الذل والهوان، وتبدلت أحوالهم، وتغيرت أوضاعهم، واستهان بهم عدوهم، فتجرأ على غزو بلاد الإسلام واحدة تلو الأخرى."
ما كان لهذا أن يحدث لو كان المسلمون رافعين لراية الجهاد، باذلين للمهج رخيصة في ذات الله كما كان أسلافهم، وإليك طرفًا من أخبارهم:
1.قال خالد بن الوليد رضي الله عنه عندما حضرته الوفاة:"لقد خضتُ عشرين زحفًا، وليس في جسمي موضع شبر إلا وفيه طعنة برمح أوضربة بسيف، وها أنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء"، إي وربي، فلا نامت أعين الجبناء.
2.وقال القائد المسلم، والبطل الهمام، عُقبة بن نافع حين وصل المحيط الأطلسي:"يارب، لولا هذا البحر لمضيتُ في مجاهدًا في سبيلك"، ثم قال:"اللهم اشهد أني قد بلغتُ الجهودَ، ولولا هذا البحر لمضيتُ في البلد أقاتل من كفر بالله حتى لا يُعبَد أحدٌ من دونك".
3.قال ابن العربي رحمه الله: روي أن بعض الملوك عاهد كفارًا على أن لا يحبسوا أسيرًا، فدخل رجل من المسلمين جهة بلادهم، فمر على بيت مغلق، فنادته امرأة: أني أسيرة، فأبلغ صاحبك خبري؛ فلما اجتمع به واستطعمه عنده وتجاذبا ذيل الحديث، انتهى الخبر إلى هذه المعذبة، فما أكمل حديثه حتى قام الأمير على قدميه وخرج غازيًا من فوره، ومشى إلى الثغر حتى أخرج الأسيرة واستولى على الموضع رضي الله عنه.
وبضدها تتميز الأشياء، فقد نقل ابن العربي عن نقيض هذا الأمير، فقال: (ولقد نزل بنا العدو - قصمه الله - سنة سبع وعشرين وخمسمائة، فجاس ديارنا، وأسر خيراتنا، وتوسط بلادنا، في عدد هال الناس عددُه، وكان كثيرًا وإن لم يبلغ ما حدّدوه، فقلت للوالي والمولي عليه: هذا عدو الله قد حصل في الشرك والشبكة، فلتكن عندكم بركة، ولتظهر منكم إلى نصرة الدين المتعينة عليكم حركة، فليخرج إليه جميع الناس حتى لا يبقى منهم أحد في جميع الأقطار فيحاط به، فإنه هالك لا محالة إن يسركم الله له؛ فغلبت الذنوب، ورجفت القلوب بالمعاصي، وصار كل أحد من الناس ثعلبًا يأوي إلى وجَاره وإن رأى المكيدة بجاره، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل) .
قلت: كأن ابن العربي يحكي حالنا، وكانه مشاهد لواقعنا.
رب وامعتصماه انطلقت ملأ أفواه الضحايا اليُتَّم
صادفت أسماعهم لكنها لم تصادف نخوة المعتص
متى يجب الجهاد بالنفس؟
الجهاد بالنفس يجب ويتعين في الحالات الآتية:
1.إذا استنفر الإمام الرعية وجب عليهم النفر، لقوله تعالى:"انفروا خفافًا وثقالًا"الآية، كما كان في تبوك، في جيش العسرة، حيث فضح الله المنافقين وأعلا شأن المؤمنين.
2.إذا كان الجهاد فرض كفاية على المرء، ثم حضر الصف، أضحى عليه فرض عين.