فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 1363

قال الطبري:(فلما كان ليلة الأضحى قيل لأسد: إن خاقان نزل"جَزَّة"، فأمر بالنيران فرفعت على المدينة، فجاء الناس من الرساتيق إلى مدينة"بَلخ"؛ فأصبح أسد فصلى وخطب الناس وقال: إن عدو الله الحارث بن سريج استجلب طاغيته ليطفئ نور الله، ويبدل دينه، والله مذله إن شاء الله، وإن عدوكم الكلب أصاب من إخوانكم من أصاب، وإن يرد الله نصركم لم يضركم قلتكم وكثرتهم، فاستنصروا الله؛ وقال: إنه بلغني أن العبد أقرب ما يكون إلى الله إذا وضع جبهته لله، وإني نازل وواضع جبهتي، فادعوا الله واسجدوا لربكم وأخلصوا له الدعاء؛ ففعلوا ثم رفعوا رؤوسهم وهم لا يشكون في الفتح.

قال: ثم خرج فنزل بابًا من أبواب"بلخ"، وضربت له قبة، وصلى بالناس ركعتين طولهما، ثم استقبل القبلة، ونادى في الناس: ادعوا الله؛ وأطال في الدعاء، ودعا بالنصر، وأمَّن الناس على دعائه، فقال: نصر تم ورَبَّ الكعبة) .

ثم التقى الجمعان، وكان النصر حليف المسلمين، ودحر الله الكفر والمنافقين، فهزموا شر هزيمة.

وكذلك فعل عقبة بن نافع في فتحه لشمال إفريقيا عندما استغاث الروم بالبربر فأجابوهم، حيث قام خطيبًا فقال بعد حمد الله والثناء عليه: أيها الناس إن أشرافكم وخياركم الذين رضي الله تعالى عنهم وأنزل فيهم كتابه بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان على مجاهدة من كفر بالله إلى يوم القيامة، وهم أشرافكم والسابقون منكم إلى البيعة، باعوا أنفسهم من رب العالمين، وقد نظر إليكم في مكانكم هذا، ولم تبلغوا هذه البلاد إلا طلبًا لرضاه وإعزازًا لدينه، فأبشروا، فكلما كثر العدو كان أخزى لهم وأذل إن شاء الله تعالى، وربكم عز وجل لا يسلمكم، فالقوهم بقلوب صادقة، فإن الله عز وجل جعلكم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، فقاتلوا عدوكم على بركة الله وعونه، والله لا يرد بأسه عن القوم المجرمين).

تضرع السلطان المجاهد"ألب أرسلان"في جهاده مع الروم في معركة"ملاذكُرد"، وما أرشده إليه الفقيه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري الحنفي، حيث قال:(إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان، وأرجو أن يكون الله تعالى قد كتب باسمك هذا الفتح، فالقهم يوم الجمعة بعد الزوال في الساعة التي تكون الخطباء على المنابر، فإنهم يدعون للمجاهدين بالنصر، والدعاء مقرون بالإجابة.

فلما كان تلك الساعة صلى بهم، وبكى السلطان وبكى الناس لبكائه، ودعا ودَعَوا معه، وقال لهم: من أراد الانصراف فلينصرف، فما هاهنا سلطان يأمر وينهى؛ وألقى القوس والنشاب، وأخذ السيف والدبوس، وعقد ذنب فرسه بيده، وفعل عسكره مثله، ولبس البياض وتحنط، وقال: إن قتلتُ فهذا كفني.

وزحف إلى الروم، وزحفوا إليه، فلما قاربهم ترجل وعفر وجهه على التراب، وبكى وأكثر الدعاء، ثم ركب وحمل، وحملت العساكر معه، فحصل المسلمون في وسطهم، وحجز الغبار بينهم، فقتل المسلمون فيهم كيف شاءوا، وأنزل الله نصرهم عليهم، فانهزم الروم وقتل منهم ما لا يحصى، حتى امتلأت الأرض بجثث القتلى، وأسر الملك).

أما خطورة المعاصي والذنوب فيوضح ذلك ما كان عمر يقوله للغزاة:"والله أنا من ذنوبكم أخشى عليكم من عدوكم"، وقال مرة وقد تأخر النصر على المسلمين ووقف الكفار معهم من الصباح حتى المساء:"والله إلا من ذنب اقترفتموه أواقترفته أنا".

هذه هي أسباب النصر الحقيقية لدى المسلمين عند سلفهم، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، ولن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

الحذر من الخوض في القضايا الانصرافية التي تلهي المسلمين عن جهاد الكفار والمنافقين

هناك قضايا انصرافية كثيرة، وشبه وفيرة، أثارها ويثيرها أعداء الإسلام قديمًا وحديثًا، ويتلقفها منهم السذج والمنافقون والمثبطون عن الجهاد، ليشغلوا بها المسلمين عن جهاد الكفار والمنافقين، نحو:

1.لم ينتصر المسلمون بحد السيف!

2.هل الحرب في الإسلام جهادية أم دفاعية؟!

3.الجهاد الأكبر، هل هو جهاد النفس، أم جهاد الكفار؟!

وغيرها كثير من الأمور التي تصرف عن الجهاد وتشغلهم بالجدل والمراء فيما لا طائل من ورائه، بل وصلت الجرأة والوقاحة ببعض الأشقياء أن زعم أن قوله صلى الله عليه وسلم:"الجهاد ماضٍ منذ بعثني الله وإلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل"قول تجاوزه الزمن، كبرت كلمة خبيثة خرجت من فيه.

هذا الحديث وإن اختلف الحفاظ في وقفه ورفعه، إلا أن الحفاظ أوردوه في دواوين السنة، وبوَّب به البخاري في صحيحه:"باب الجهاد ماضٍ مع البر والفاجر".

قال الحافظ ابن حجر: (هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه بنحوه أبوداود وأبو يَعْلى مرفوعًا وموقوفًا عن أبي هريرة، ولا بأس برواته، إلا أن مكحولًا لم يسمع من أبي هريرة، وفي الباب عن أنس أخرجه سعيد بن منصور، وأبوداود أيضًا وفي إسناده ضعف) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت