فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 1363

وفي رواية للحاكم كما قال الحافظ ابن حجر:"وترق القلوب، وتدمع العيون، فلا تقولوا هجرًا"، ولزيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقبر أمه ولشهداء أحد وأهل البقيع.

فالزيارة الشرعية هي:

1.أن تكون خاصة بالرجال دون النساء.

2.أن يسلم فيها على الأموات:"السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين"الحديث.

3.أن يتذكر الإنسان مصيره فيعمل لما بعد الموت.

أما الزيارة البدعية فهي التي:

1.يأتي فيها الزائر بأعمال شركية، نحو دعاء الأموات، والاستغاثة فبهم، والذبح لهم، والتمسح بقبورهم، وطلب الحاجات منهم.

2.زيارة النساء.

3.أن تكون في أيام معلومة، يوم الجمعة مثلًا، وبعد الأربعين، وفي الأعياد.

قال الشيرازي رحمه الله:(يستحب للرجال زيارة القبور لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال:"زار رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال: إني استأذنت ربي عز وجل أن أستغفر لها فلم يأذن لي، فاستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت".

والمستحب أن يقول:"السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون"، ويدعو لهم، لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم:"كان يخرج إلى البقيع فيقول:"السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد"، ولا يجوز للنساء زيارة القبور لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لعن الله زوارات القبور")."

وقال النووي في شرح ما قال الشيرازي:(اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أنه يستحب للرجال زيارة القبور، وهو قول العلماء كافة، نقل العبدري فيه إجماع المسلمين، ودليله مع الإجماع الأحاديث الصحيحة المشهورة، وكانت زيارتها منهيًا عنها أولًا ثم نسخ، ثبت في صحيح مسلم رحمه الله عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها".. وكان النهي أولًا لقرب عهدهم بالجاهلية، فربما كانوا يتكلمون بكلام الجاهلية الباطل، فلما استقرت قواعد الإسلام وتمهدت أحكامه، واستشهرت معالمه، أبيح لهم الزيارة، واحتاط صلى الله عليه وسلم بقوله:"ولا تقولوا هجرًا"، قال أصحابنا رحمهم الله: ويستحب للزائر أن يدنو من قبر المزور ما كان يدنو من صاحبه لو كان حيًا وزاره.

وأما النساء فقال المصنف وصاحب البيان لا تجوز لهن الزيارة، وهو ظاهر هذا الحديث، والذي قطع به الجمهور أنها مكروهة لهن كراهة تنزيه) .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:(قال النووي تبعًا للعبدري والحازمي وغيرهما: اتفقوا على أن زيارة القبور للرجال جائزة، كذا أطلقوا، وفيه نظر، لأن ابن أبي شيبة وغيره روى عن ابن سيرين، وإبراهيم النخعي، والشعبي الكراهة مطلقًا، حتى قال الشعبي: لولا نهي النبي لزرت قبر ابنتي؛ ولعل من أطلق أراد الاتفاق ما استقر عليه الأمر بعد هؤلاء، وكأن هؤلاء لم يبلغهم الناسخ والله أعلم، ومقابل هذا قول ابن حزم: إن زيارة القبور واجبة ولو مرة واحدة في العمر لورود الأمر به؛ واختلف في النساء فقيل: دخلن في عموم الإذن، وهو قول الأكثر، ومحله ما إذا أمنت الفتنة.

إلى أن قال:

وممن حمل الإذن على عمومه للرجال والنساء عائشة، فروى الحاكم من طريق ابن أبي مليكة أنه رآها زارت قبر أخيها عبد الرحمن، فقيل لها: أليس قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ قالت: نعم، كان نهى ثم أمر بزيارتها؛ وقيل الإذن خاص بالرجال، ولا يجوز للنساء زيارة القبور، وبه جزم الشيخ أبو إسحاق في"المهذب"، واستدل له بحديث عبد الله بن عمرو الذي تقدمت الإشارة إليه في"باب اتباع النساء والجنائز"، وبحديث:"لعن الله زوارات القبور"، أخرجه الترمذي وصححه من حديث أبي هريرة، وله شاهد من حديث ابن عباس ومن حديث حسان بن ثابت.

واختلف من قال بالكراهة في حقهن، هل هي كراهة تحريم أوتنزيه؟ قال القرطبي: هذا اللعن إنما للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصفة من المبالغة، ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج، والتبرج، وما ينشأ منهن من الصياح ونحو ذلك؛ فقد يقال: إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء) .

قلت: القول الراجح الذي تسنده الأدلة الصحيحة أن النساء ممنوعات من زيارة القبور للنهي الصحيح الصريح المخصص للنساء عن الرجال، وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول صلى الله عليه وسلم.

أما قول أبي العباس القرطبي رحمه الله:"إذا أمنت الفتنة"، فأنى تؤمن؟! والذي يظهر أن المنع هو الأولى أمنت الفتنة أم لم تؤمن، لأن الأحاديث التي نهت عن ذلك لم يرد فيها اشتراط أمن الفتنة، وإنما وردت مطلقة، والله أعلم.

أما تفريق مالك رحمه الله بين الكبيرة والشابة، حيث أجاز زيارة القبور للمتجالة ومنع منها الشابة فيعوزه الدليل كذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت