لقد رفع الله الحرج عن هذه الأمة المرحومة في التكاليف الشرعية التي هي سبب من أسباب دخول الجنة ورضى الرحمن، فقال تعالى:"لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها"،"واتقوا الله ما استطعتم"، وقال رسوله صلى الله عليه وسلم:"ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم".
فما بال بعض المسلمين يتكلفون ما لا طاقة لهم به في أمور أعلى درجاتها الاستحباب، ما لا يتكلفون في أداء الواجبات والقيام بالأمور المهمات؟ ألا يعد ذلك من مظاهر النفاق الاجتماعي الذي ابتلي به كثير من الناس في هذا العصر؟
ومما يدل على ذلك أنه ما من أحد إلا وهو يتضجر من كثرة المجاملات لما فيها من ضياع:
1.الوقت.
2.والمال.
3.والتقصير في الواجبات الخاصة والعامة.
4.وإدخال الحرج على النفوس.
وهي من لزوم ما لا يلزم.
لا شك أن في ذلك تكافل اجتماعي، وتسلية لأهل الميت، وتخفيف عنهم في مصابهم، لكن إذا كان الفعل ضرره أكثر من نفعه، ومفسدته أعظم من مصلحته، فالواجب عدم الإقدام عليه.
لقد تغيرت الأحوال، وتبدلت الظروف، واستجدت أمور، واستحدثت أنماط من الأعمال والوظائف، كان الناس فيما مضى - عندنا في السودان وفي غيره من بلاد الإسلام - تعيش الأسرة في قرية واحدة، أوفي قرى وفرقان متجاورة، معتمدين بعد الله عز وجل على مواشيهم وقليل من الزراعة حول قراهم، ويندر أن يكون أحد من أفراد الاسرة خارج هذا النطاق.
أما الآن فأفراد الأسرة الواحدة موزعون، ليس في السودان فحسب، بل في دول الخليج، وفي أوروبا، وأمريكا، وغيرها من أرض الله الواسعة، كما هو معلوم مشاهد.
فما كان يطالب به الفرد في الماضي لا يمكن الوفاء به اليوم مع هذه الظروف، والمتغيرات، والمستجدات.
مرد تخلف المسلمين عسكريًا، وصناعيًا، واقتصاديًا، في اعتقادي يرجع إلى سلوكنا الاجتماعي، سيما عندنا في السودان:
1.سلوكنا في معاشنا.
2.سلوكنا في أفراحنا وأتراحنا.
3.سلوكنا في مجاملاتنا لبعضنا البعض.
4.سلوكنا في التسيب عن الأعمال الخاصة والعامة إذا تصادمت بأمر من الأمور السابقة.
5.سلوكنا في عدم التناصح.
6.سلوكنا في عدم المحاسبة والأخذ بيد الجاني والمقصر.
وكل هذا يرجع إلى السلوك الاجتماعي المعوج.
قل لي بربك هل هناك حاجة أن تتحرك حافلة أوحافلتان أوأكثر من القولد أوالقرير لتعزي في ميت في"الحاج يوسف"أو"الكلاكلة"مثلًا ثم ترجع في مساء اليوم أوفي اليوم الثاني؟ علمًا أن الغالب من هؤلاء مجامل لشخص أوشخصين مثلًا؟
هذا بجانب ما يمكن أن يتعرض له هؤلاء من حوادث في الطريق ونحو ذلك، فكم من أموال صرفت؟ وكم من وقت أهدر؟ وكم من محل تجاري أغلق؟ وكم من زرع أهمل؟ وكم من أسر وأطفال لم توفر لهم حاجياتهم الضرورية؟ وكم، وكم؟
هذا مع علمنا أن الناس قد قللوا وتخففوا كثيرًا من تلك المجاملات عن ذي قبل.
من أصعب الأمور تغيير السلوك الاجتماعي المعوج، فهو يحتاج إلى صدق، وتجرد، وتعاون بين الجميع، سيما مع سيطرة العادات والتقاليد والأعراف في مجتمعات المسلمين، حيث لا يستطيع أحد أن يخالفها إلا من رحم ربك، لما يواجه به المخالف لها من الهجر والنبذ والتعرض لكلام الناس وانتقاداتهم.
الثانية والعشرون: نشر صورة المتوفي في الصحف، وشكر العائدين والمعزين
من البدع القبيحة التي قلد فيها بعض المسلمين الكفار، نشر صور موتاهم في صحيفة من الصحف السيارة، وشكر الذين عادوا المتوفي وسعوا في علاجه، والمعزين فيه، وفي بعض الأحيان تستأجر صفحة كاملة أونصف صفحة أوأقل من ذلك.
وفي هذه البدعة من المخالفات الشرعية الكثير، منها:
1.التشبه بالكفار، وهو أخطرها مع إعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا:"ومن تشبه بقوم فهو منهم".
2.نشر صورة المتوفى، ومعلوم في الدين ضرورة تحريم التصوير وتعليق الصور.
3.بذل المال في أمر محرم، ولن تزول قدما ابن آدم حتى يسأل عن أربع، منها:"عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه".
4.التقليد في سنة سيئة، حيث يكون على أول من فعلها وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، كما أخبر الصادق المصدوق.
فينبغي للمسلمين أن يراجعوا أنفسهم، وأن يحاسبوها، وأن لا تحكمهم العادات والتقاليد، وعليهم التفقه في دين الله، فكثير من هذه البدع مردها إلى الجهل والتقليد.
الثالثة والعشرون: حفل التأبين!
ما من بدعة من بدع الجنائز إلا وهي أقبح من أختها، من ذلك ما ابتدعه البعض من إقامة حفل تأبين في منزل المتوفى أوفي أحد الأندية أوغيرها في اليوم الأربعين من وفاته، أوبعد سنة، تقدم فيه الخطب والمرثيات ويثنى فيه على الميت بما فيه وما ليس فيه غالبًا.
وهذا كله يدل على صدق رسولنا صلى الله عليه وسلم في تحذيره ونهيه عن التشبه بالكفار:"ولو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"الحديث.
مرجع هذه البدعة التشبه بالكفار الأقدمين - فراعنة - ومحدثين - يهود ونصارى - فهو شبيه بما يصنعه النصارى"الجناز الأربعيني".