ثم إنهم لم يقتصروا على ذلك حتى يقرأوا هناك القرآن العظيم على عوائدهم المعهودة منهم بالألحان والتطريب الخارج عن حد القراءة المشروعة).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما صنعة أهل الميت طعامًا يدعون الناس إليه فهذا غير مشروع وإنما هو بدعة، بل قال جرير بن عبد الله: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعتهم الطعام للناس من النياحة) .
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء وقد سئلت:"ما حكم ذبح ذبيحة أوأكثر في البيت على روح الميت عند مضي أربعين يومًا على وفاته، وإطعامها الناس بقصد التقرب إلى الله ليغفر لميتهم، ويرحمه، ويسمونها الرحمة، أوعشاء الميت؟"، فقالت: (ما ذكرت من الذبح على روح الميت عند مضي أربعين يومًا عليه من تاريخ وفاته وإطعامها للناس تقربًا إلى الله رجاء المغفرة والرحمة بدعة منكرة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، ولم يفعله الخلفاء الراشدون ولا سائر الصحابة رضي الله عنهم، ولا أئمة أهل العلم، فكان إجماعًا على عدم مشروعيته) .
هذا مع العلم أن لا مانع أن يتصدق المرء عن ميته بنقود أوطعام ويهدي أجر ذلك للميت، شريطة أن لا تكون في أيام معينة، ولا بكيفية معينة، وإنما هي من جملة الصدقات التي تعمل في جميع الأوقات.
الثامنة عشر: دعوى أن القبر مظلم حتى يطعم عن الميت
كما قلت في المقدمة فإن هذه البدع والمحدثات لا توجد مجتمعة في بلد واحد، حيث يوجد بعضها في بعض البلاد دون بعض، بجانب أن هناك بدع مشتركة عمت بها البلوى في جميع ديار الإسلام.
من تلك البدع التي توجد في بعض الديار دعوى أن القبر مظلم حتى يطعم عن الميت، ولهذا لا يدفنون ميتهم إلا بعد إخراج هذا الطعام، فهذه من البدع المنكرة، وفيها رد لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن:"القبر إما روضة من رياض الجنة، أوحفرة من حفر النار"، أوما معناه.
وفيها كذلك تسوية بين الأموات وسوء ظن بهم جميعًا.
جاء في رد على إنكار هذا العمل في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ما يأتي: (أما دعوى أن القبر مظلم، وأن تقديم الطعام من قبل أهل الميت والصدقة عنه قبل دفنه يضيء في ظلام القبر، وقبل أن يدخل في قبره يصير القبر نورًا، فهذا لا أصل له، والقول به رجم بالغيب، لأن ذلك من الأمور الغيبية التي لا يطلع عليها إلا الله سبحانه وتعالى) .
التاسعة عشر: تقديم الدخان للمعزين
من شؤم البدعة أنها تجر إلى غيرها، فالجلوس للعزاء بدعة، وكل ما يتبع ذلك فهو بدعة، وبعضها أشد نكارة من بعض، نحو تقديم الدخان للمعزين، فإذا كان تقديم الطعام، والماء،و الشاي، والقهوة، وهي من المباحات لا يجوز، فكيف بتقديم الدخان الذي هو من الخبائث إجماعًا، وإن اختلف أهل العلم في تحريمه وكراهته؟ لا شك أنه من باب أولى الامتناع عنه، وبالأحرى عدم تقديمه للغير، سيما في مناسبة العزاء.
وهذا يدخل في باب التعاون على الإثم والعدوان الذي نهانا ربنا عنه حيث قال:"وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان".
فتقديم الدخان عدوان لا شك فيه، وفي تقديمه للمعزين مقابلة للإحسان بالعدوان.
العشرون: إنشاء الخطب، والمواعظ، والشكر، إذانًا بختم مدة العزاء"رفع الفراش"
من المحدثات التي درج عليها الناس في السنوات الأخيرة - في السودان خاصة - حيث لم تكن موجودة من قبل، تحول بيت العزاء عند ختم العزاء إلى منبر للخطب الرنانة، والمواعظ، والشكر، حيث يتبارى الناس في ذلك ويتنافسون، ويأتي الخطباء والوعاظ من كل ناحية.
هذه البدعة تشتمل على قبائح كثيرة، منها:
1.تزكية الميت وإطرائه والمبالغة في ذلك، وقد نهانا ربنا عن ذلك قائلًا:"فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى".
وإذا كان سيد الخلق محمد عليه الصلاة والسلام نهى عن أن يُطرى، وهو أهل للإطراء والمدح والثناء اللائق به، قائلًا:"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله"، فكيف بغيره؟
2.اتهام من لم يفعل ذلك من أهل الميت وأصدقائه بالتقصير في حق ميتهم.
3.بيت الميت ليس منبرًا للخطابة والمواعظ العامة.
4.دعوى أن الغرض من ذلك شكر المعزين، فشكر الناس لا يحتاج إلى خطب، وإنما يمكنك شكر المعزي والدعاء له في الحال، بل الدعاء له بظهر الغيب أفضل، وهو قمِن أن يستجاب.
5.الخير كل الخير في الاتباع والشر كل الشر في الابتداع.
فالواجب الإقلاع عن ذلك وعدم التوسع فيه، إذا كان رسولنا صلى الله عليه وسلم نهى عن النعي، وهو الإعلام بالوفاة، فكيف بالخطب، والكلمات، والثناء الذي يقال في جمع غفير من الناس عادة، فهو أشد نهيًا وكراهة من النعي.
الحادية والعشرون: تكلف المجيء للتعزية من أماكن بعيدة والمجاملة فيها