ليت الأمر وقف عند صنع أهل الميت الطعام للمعزين وهو أمر منكر وسنة سيئة، ولكنه تعدى ذلك للتفاخر والتكلف حتى أضحت تكاليف العزاء تفوق في بعض الأحيان تكاليف الزواج، وفي أحيان كثيرة تكون الولائم المعدة والأصناف المحضرة في ولائم العزاء أحسن بكثير من ولائم العرس.
يصل الأمر في حالات إلى عدم التمييز بين صوانات العزاء والفرح، ومن الطرائف أن صغيرًا رأى الصيوانات قد نصبت، والكراسي رصت، وحافظات الماء وزعت، فما كان منه إلا أن سأل: متى يحضر الفنان؟ لأنه لم ير فرقًا يذكر بين مراسم العزاء ومراسم العرس، وفي بعض الاحيان ما يعود الناس مع تشييع الميت إلا ويجدوا الذبائح قد علقت!!
يفعل كل هذا وزيادة تقليدًا ومجاراة للأعراف والتقاليد مع ضيقهم من ذلك وشكواهم مما يعانون منه ويكابدونه، يزداد الأمر حرمة وسوءًا إذا كان هذا الطعام يصنع من مال الورثة، وفي أحيان كثيرة لا تغطي مساهمات الأهل والأصدقاء تكاليف"الفراش"مما يضطر معه لتكليف الأقربين لتغطية العجز، ولو قدمت هذه الأموال لأهل الميت وقد يكونون في أمس الحاجة إليها لكان في ذلك خيرًا كثيرًا ومواساة مشكورة.
السادسة عشر: استئجار مقرئين، أووعاظ، أوتشغيل شرائط لمقرئين
من بدع الجنائز السيئة، ومحدثاتها المنكرة، استئجار مقرئين أوتشغيل شرائط لمقرئين في المأتم، قبل وبعد الدفن، حيث لم يرد بهذا الصنيع دليل من السنة، ولم يفعله أحد من الأمة المقتدى بها.
ومن المحزن أن تختزل وظيفة هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه عند كثير من المسلمين في التبرك به عند افتتاح الاحتفالات والمهرجانات، أوأن يقرأ في المآتم، أويوضع عند رأس المرأة حديثة الولادة، أوأن يعلق كله أوبعض آياته وسوره في البيوت والسيارات، وهذا كله مخالف لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الواجب على المسلمين تلاوة هذا الكتاب وتدبره وحفظ ما تيسر منه لمن لم يتمكن من حفظه كله، وقراءته في الصلوات، في النوافل والمكتوبات، وفي قيام الليل، وفي العمل بمقتضاه وتحكيمه في جميع شؤون الحياة.
أين هذا من حال الصحابة الذين ما كان أحدهم يتجاوز العشر آيات إلا بعد أن يحفظها، ويتدبرها، ويعمل بما فيها؟
إذا تنازع العلماء في استفادة الميت من القراءة إذا أهديت إليه من غير استئجار فمنهم من أجازها وهو الراجح ومنهم من منعها، فكيف بقراءة المستأجرين؟! وإذا اختلفوا في أخذ أجرة في تعليم القرآن للصبيان وغيرهم فمن باب أولى عدم جواز استئجار المقرئين في المآتم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن حكم الأجرة على قراءة القرآن لروح الميت:(أما الاستئجار لنفس القراءة والإهداء فلا يصح ذلك، فإن العلماء إنما تنازعوا في جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، والأذان، والإمامة، والحج عن الغير، لأن المستأجر يستوفي المنفعة، فقيل: يصح ذلك كما هو المشهور من مذهب مالك والشافعي، وقيل: لا يجوز، لأن هذه الأعمال يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة، فإنما تصح من المسلم دون الكافر، فلا يجوز إيقاعها إلا على وجه التقرب إلى الله تعالى، فإذا فعلت بعروض لم يكن فيها أجر بالاتفاق، لأن الله إنما يقبل من العمل ما أريد به وجهه، لا ما فعل لأجل عروض الدنيا.
أما إذا كان لا يقرأ القرآن إلا لأجل العروض، فلا ثواب لهم على ذلك، وإن لم يكن في ذلك ثواب فلا يصل إلى الميت شيء، لإنه إنما يصل إلى الميت ثواب العمل، لا نفس العمل).
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء في المملكة في ردهم على سؤال: (ما حكم استئجار من يقرأ القرآن على قبر الميت، أوعلى روحه؟:(لا يجوز استئجار من يقرأ القرآن على قبر الميت، أوعلى روحه، ويهب ثوابه للميت، لأنه لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من السلف، ولا أمر به أحد من أئمة الدين، ولا رخص فيه واحد منهم فيما نعلم، والاستئجار على نفس التلاوة غير جائز بلا خلاف) .
وقال ابن الحاج المالكي رحمه الله معددًا بدع المآتم: (ومنهم من يأتي بالواعظ إلى الرجال، ومنهم من يأتي بالواعظة للنساء) .
السابعة عشر: عمل صدقة من الطعام يدعون إليها بعض القراء والفقراء في أوقات محددة، في اليوم الثالث، أوبعد أسبوع، أوبعد أربعين يومًا، ونحو ذلك
هذه أيضًا من بدع المآتم السيئة التي درج عليها كثير من المسلمين، ويحسبون ذلك هينًا وهو عند الله عظيم، لمخالفة ذلك لهدي سيد المرسلين، ويحسبون أنهم يحسنون إلى أنفسهم وإلى موتاهم على الرغم من إنكار أهل العلم قديمًا وحديثًا لهذه البدعة ولغيرها، فلا يزال الناس متمسكين بها ومتوسعين فيها.
قال ابن الحاج المالكي: (وكذلك يحذر مما أحدثه بعضهم، من فعل الثالث للميت، وعملهم الأطعمة فيه، حتى صار عندهم أمر معمول به، ويشيعونه كأنه وليمة عرس، ويجمعون لأجله الجمع الكثير من الأهل والأصحاب والمعارف، فإن بقي أحد منهم وجدوا عليه.