فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 1363

من البدع التي أحدثها البعض الجلوس للعزاء ونصب الصيوانات لذلك، وكان هديه صلى الله عليه وسلم خلاف ذلك حيث كان يوجه أهل الميت بالصبر والاحتساب وعدم إحداث أمر زائد، فلم يصح أنه جلس لتقبل العزاء لا هو ولا أصحابه ولا التابعون لهم بإحسان، مما يدل على بدعية ذلك بهذه الكيفية التي نشاهدها، سيما عندنا في السودان، وإن اختصرت إلى يومين أويوم عما كانت عليه في الماضي، حيث كان الجلوس يتراوح بين السبعة أيام والشهر، وهذا النهي يشمل الرجال والنساء، لكن يمكن أن يجلس بعض الأهل والأقارب ليصبروا ذويهم في مصابهم إن دعت الحال، من غير نصب صيوانات، فهذا لا بأس به، والله أعلم.

عندما نعى النبي صلى الله عليه وسلم شهداء مؤتة جلس في المسجد يعرف على وجهه الحزن، ولم يكن جلوسه هذا لتلقي العزاء، ولكن لعظم الفاجعة.

خرَّج البخاري في صحيحه بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما جاء النبي قتل ابن حارثة، وجعفر، وابن رواحة، جلس يعرف في وجهه الحزن.."الحديث."

قال الحافظ ابن حجر معللًا لجلوسه هذا: (قال الزين بن المنير ما ملخصه: موقع هذه الترجمة من الفقه أن الاعتدال في الأحوال هو المسلك الأقوم، فمن أصيب بمصيبة عظيمة لا يفرط في الحزن حتى يقع في المحذور من اللطم والشق والنوح وغيرها، ولا يفرط في التجلد حتى يفضي إلى القسوة والاستخفاف بقدر المصاب، فيقتدي به صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة بأن يجلس المصاب جلسة خفيفة بوقار وسكينة تظهر عليه مخايل الحزن، ويؤذن بأن المصيبة عظيمة) .

أما ما استخلصه من الحديث بقوله:"وفي هذا الحديث من الفوائد أيضًا جواز الجلوس للعزاء بسكينة ووقار"، ففيه نظر، إذ مجرد الجلوس عند المصيبة لا يعني الجلوس للعزاء، وإنما سبب هذا الجلوس العناء النفسي والجسدي في بعض الأحيان، وإلا لو كان جلوسه للعزاء لفعله هو وأصحابه فيما بعد.

ويدل على ذلك كراهة أهل العلم قديمًا وحديثًا للجلوس للتعزية.

قال النووي رحمه الله: (قال الشافعي وأصحابنا رحمهم الله: يكره الجلوس للتعزية، قالوا: يعني بالجلوس أن يجتمع أهل الميت في بيت ليقصدهم من أراد التعزية، بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم، ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها، صرح به المحاملي، ونقله عن نص الشافعي رضي الله عنه، وهذه كراهة تنزيه إذا لم يكن معها محدث آخر، فإن ضم إليها أمرًا آخر من البدع المحرمة كما هو الغالب منها في العادة كان ذلك حرامًا من قبائح المحرمات فإنه محدث، وثبت في الحديث الصحيح:"إن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة".

وقال ابن عَلان في شرحه كتاب الأذكار للنووي: (يكره الجلوس للتعزية، قالوا: لأنه محدث هو بدعة، ولأنه يجدد الحزن، ويكلف المعزَّى، وما ثبت عن عائشة:"من أنه صلى الله عليه وسلم لما جاء خبر قتل زيد بن حارثة، وجعفر، وابن رواحة، جلس في المسجد يعرف في وجهه الحزن"، فلا نسلم أن جلوسه كان لأجل أن يأتيه الناس فيعزوه، فلم يثبت ما يدل عليه) .

وقال ابن الحاج المالكي محذرًا من هذه البدعة: (وكذلك يحذر مما أحدثه بعضهم من ترك الفرش التي تجعل في بيت الميت لجلوس من يأتي إلى التعزية، فيتركونها كذلك حتى تمضي سبعة أيام، ثم بعد ذلك يزيلونها) .

في بعض البلاد يستقبل أهل الميت المعزين في ساعات معينة، مثلًا بين المغرب والعشاء، لمدة يوم أويومين أوثلاثة، لا شك أن هذا أخف وأيسر من الجلوس المتواصل طيلة اليوم والليلة.

قلت: لا يعني النهي عن الجلوس للعزاء عدم مجيء المعزين، فيمكن للإنسان أن يأتي يعزي ويتحرك، أويجلس مع أهل الميت في بيتهم الذي يسكنون فيه.

الخامسة عشر: تكلف أهل الميت صنع الطعام للمعزين

هذه البدعة السيئة قامت على أنقاض سنة حسنة وهي أن يعمل الأهل والجيران طعامًا لأهل الميت اقتداء بقوله صلى الله عليه وسلم عند استشهاد جعفر رضي الله عنه:"اصنعوا لآل جعفر طعامًا فإنه قد أتاهم أمر شغلهم".

جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العملية والإفتاء في رد على مشروعية ما يفعله أهل الميت من صنع الطعام:(أما إقامة المأتم وبناء الصواوين لتقبل العزاء وإطعام الحاضرين الطعام فليس من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، والخير كل الخير في اتباع هديه والاقتداء بسنته، قال تعالى:"لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا".

وخرج الإمام أحمد بإسناد جيد عن جرير بن عبد الله البجلي قال:"كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد الدفن من النياحة)."

وروي عن عبد الله بن أبي بكر أنه قال:"فما زالت السنة فينا حتى تركها من تركها".

إي وربي كانت هذه السنة موجودة، وكان ما يحضره الأهل والجيران يكفي أهل الميت وضيوفهم ويفيض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت