أما أن يقوم القائم عند القبر يتكلم كأنه يخطب، فهذا لم يكن من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم أن الإنسان يقف بين يدي الناس يتكلم كأنه يخطب، هذا ليس من السنة، السنة أن تفعل كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم فقط، إذا كان الناس جلوسًا ولم يدفن الميت فاجلس في انتظار دفنه، وتحدث حديث المجالس، حديثًا عاديًا، بعض الناس أخذ من هذه الترجمة"باب الموعظة عند القبر"أن يكون خطيبًا في الناس يخطب في الناس برفع الصوت"يا عباد الله"وما أشبه ذلك من الكلمات التي تقال في الخطب، وهذا فهم خاطئ غير صحيح).
قال ابن الحاج المالكي في كتابه المدخل وهو يعدد بدع الجنائز في وقته: (فإذا أخذوا في إخراجه إلى النعش، فليحذر من هذه البدعة الأخرى التي يفعلها أكثرهم، وهي حضور شخص يسمونه المدير، فيزكي الميت على الله تعالى بمثل قوله: السعيد الشهيد، القاضي الصدر، الرئيس الصالح، العبد الخاشع الورع، كهف الفقراء والمساكين، وللمرأة السعيدة الشهيدة، إلى غير ذلك من ألفاظهم المعهودة عندهم، المنهي عنها في الشرع الشريف، التي جمعت بين التزكية والكذب الصراح، والمحل محل صدق وإخلاص، ورجوع إلى المولى سبحانه وتعالى، فقابلوه بضد المراد منهم، والميت في هذا الوقت مضطر إلى الدعاء له، وإظهار فقره ومسكنته، واضطراره واحتياجه إلى رحمة ربه سبحانه وتعالى، وهم يأخذون في نقيض ذلك، فإنا لله وإنا إليه راجعون) .
الثانية عشر: الانتظار بعد الدفن وقراءة شيء من القرآن
السنة إذا دفن المسلم أن يستغفر الله له ويسأل له التثبيت، لقوله صلى الله عليه وسلم:"سلوا لأخيكم التثبيت فإنه الآن يسأل"الحديث؛ أما أن يقرأ شيء من القرآن على الميت بعد دفنه فلم يثبت بذلك سنة صحيحة، وإن استحب ذلك بعض أهل الفضل.
صحَّ عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال:"إذا دفنتموني فأقموا حول قبري قدْر ما تنحر جزور، ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم، وأعلم ماذا أراجع به رسل ربي".
وقال النووي في رياض الصالحين: (قال الشافعي رحمه الله: ويستحب أن يقرأ عنده شيء من القرآن، وإن ختموا القرآن عنده كان حسنًا) .
وروى أبو داود في سننه بسنده إلى معقل بن يسار، قال:"قال النبي صلى الله عليه وسلم:"اقرأوا يس على موتاكم"."
قال عنه النووي: (إسناده ضعيف، فيه مجهولان، لكن لم يضعفه أبوداود، وروى ابن أبي داود عن مجالد عن الشعبي قال: كانت الأنصار إذا حضروا قرأوا عند الميت سورة البقرة. مجالد ضعيف) .
قال الشيخ الألباني رحمه معلقًا على ما نقله النووي عن الشافعي:"ويستحب أن يقرأ عنده شيء من القرآن": (قلت: لا أدري أين قال ذلك الشافعي رحمه الله تعالى، وفي ثبوته عنه شك كبير عندي، كيف؟ ومذهبه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى.
كما نقله عنه الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى:"وأن ليس للإنسان إلى ما سعى"، وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى عدم ثبوت ذلك عن الإمام الشافعي بقوله في"الاقتضاء": (لا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلام، وذلك لأن ذلك كان عنده بدعة، وقال مالك: ما علمنا أحدًا فعل ذلك، فعلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلون ذلك) .
قلت: وذلك هو مذهب أحمد أيضًا، أن لا قراءة على القبر؛ كما أثبت في كتابي"أحكام الجنائز"، وهو ما انتهى إليه رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، كما حققته في الكتاب المذكور).
وقال الشيخ العثيمين رحمه الله معلقًا على قول عمرو بن العاص رضي الله عنه السابق:(أما ما ذكر عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن أمر أهله أن يقيموا عنده إذا دفنوه قدر ما تنحر جزور قال: لعلي أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي؛ يعني الملائكة، فهذا اجتهاد منه رضي الله عنه، لكنه اجتهاد لا نوافقه عليه، لأن هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هدي غيره، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يقف أويجلس عند القبر بعد الدفن قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها، ولم يأمر أصحابه بذلك.
إلى أن قال: وأما القراءة على القبر فالأصح أنها مكروهة، وأنه يكره للإنسان أن يذهب إلى القبر، ثم يقف عنده أويجلس عنده يقرأ، لأن هذا من البدع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"كل بدعة ضلالة"، وأقل أحوالها أن تكون مكروهة).
الثالثة عشر: الدعاء الجماعي بعد الدفن
هذا هو الآخر ليس من السنة، أن يدعو شخص للميت ويؤمن الحاضرون، وإنما السنة أن يدعو كل إنسان ويستغفر للميت ويسأل له الثبات، هذه هي السنة وما سواها بدعة.
الرابعة عشر: الجلوس للعزاء ونصب الصيوانات لذلك