فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 1363

من المحدثات المنكرة التي ابتدعها بعض الناس التأذين والإقامة في الحفرة عند إدخال الميت فيها، وهذا العمل ليس له أصل ولا أساس، إذ لم يشرع الأذان والإقامة إلا في الصلوات المكتوبة، وإنما يدعى إلى غيرها من فروض الكفاية بقول:"الصلاة جامعة".

ورد سؤال على اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء بالمملكة العربية السعودية عن حكم الأذان بعد الدفن عند القبر.

فأجابت: (لا يجوز الأذان ولا الإقامة عند القبر بعد الدفن، ولا في القبر قبل دفنه، لأن ذلك بدعة محدثة، وقد ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد") .

عاشرًا: التلقين بعد الدفن

المشروع التلقين عند الاحتضار، حيث يلقن المحتضر كلمتي الشهادة"لا إله إلا الله محمد رسول الله"، لقوله صلى الله عليه وسلم:"من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة"، أما التلقين بعد الدفن فلم تثبت فيه سنة صحيحة، وإن استحسنه بعض السلف.

خرَّج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة يرفعه:"لقنوا موتاكم لا إله إلا الله".

وخرج أبوداود والحاكم كما قال الحافظ ابن حجر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه:"من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة".

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن التلقين بعد الدفن، فقال:(هذا التلقين المذكور قد نقل عن طائفة من الصحابة، أنهم أمروا به، كأبي أمامة الباهلي وغيره، وروي فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لكنه مما لا يحكم بصحته، ولم يكن كثير من الصحابة يفعل ذلك، ولهذا قال الإمام أحمد وغيره من العلماء: إن هذا التلقين لا بأس به؛ فرخصوا فيه ولم يأمروا به، واستحبه طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، وكرهه طائفة من العلماء من أصحاب مالك وغيرهم.

والذي في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوم على قبر الرجل من أصحابه إذا دفن ويقول:"سلوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل".

وقال في إجابة على سؤال آخر عن هذا التلقين: تلقينه بعد موته ليس واجبًا بالإجماع، ولا كان من عمل المسلمين المشهور بينهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه) .

وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء في إجابة على نفس السؤال:(الصحيح من قولي العلماء في التلقين بعد الموت أنه غير مشروع، بل بدعة، وكل بدعة ضلالة، وما رواه الطبراني في الكبير عن سعد بن عبد الله الأودي عن أبي أمامة رضي الله عنه في تلقين الميت بعد دفنه، ذكره الهيثمي في الجزء الثاني والثالث من مجمع الزوائد، وقال: في إسناده جماعة لم أعرفهم أه.

وعلى هذا لا يحتج به على جواز تلقين الميت، فهو بدعة مردودة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد").

قلت: قول الصحابي إذا خالفه فيه غيره فليس بحجة.

الحادية عشر: التأبين بعد الدفن بإلقاء الخطب الرنانة بالتذكير والثناء على الميت، والمبالغة والكذب فيه، وشكر المشيعين

وهذه كلها من البدع المنكرة التي لم يعرفها سلف هذه الأمة، ولا يرد على ذلك بعض المواعظ التي كان يعظ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أحيانًا من يكتنفه من المشيعين، إذ ليس هناك علاقة بين هذا وذاك.

خرَّج البخاري في صحيحه بسنده إلى علي رضي الله عنه قال:"كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي صلى الله عليه وسلم فقعد، وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكَّس، فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة أوالنار، وإلا قد كتبت شقية أوسعيدة؛ فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل، فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، وأما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة؟ قال: أما أهل السعادة، فييسرون لعمل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل الشقاوة، ثم قرأ:"فأما من أعطى واتقى"الآية."

قال الشيخ العثيمين رحمه الله مبينًا الفرق بين الموعظة التلقائية التي تقال للجالسين حول المرء عند المقبرة وهي مسنونة، وبين خطب التأبين وإن تخللها وعظ وذكرى وهي ممنوعة، مستدلًا بالحديث السابق: (وعلى هذا فإذا جاء الإنسان إلى المقبرة وجلس الناس حوله فهنا يحسن أن يعظهم بما يناسب بمثل هذا الحديث أوحديث عبد الرحمن بن مرة، حين جاء الرسول صلى الله عليه وسلم وانتهى إلى جنازة رجل من الأنصار، ووجدهم يحفرون القبر ولم يتموا حفره، فجلس وجلسوا حوله، كأن على رؤوسهم الطير احترامًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجلالًا لهذا المجلس وهيبة، فجعل يحدثهم أن الإنسان إذا جاءه الموت نزلت إليه ملائكة الرحمة أوملائكة العذاب، وجعل يحدثهم بحديث طويل يعظهم به، هذه هي الموعظة عند القبر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت