وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"أرْسِل ملك الموت إلى موسى عليهما السلام، فلما جاءه صكه فرجع إلى ربه، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت؛ فرد الله عليه عينه، وقال: ارجع فقل له: يضع يده على متن ثور - أي ظهره - فله بكل ما غطت به يده بكل شعرة سَنَة؛ قال: أي ربِّ، ثم ماذا؟ قال: الموت؛ قال: فالآن؛ فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلو كنتُ ثمَّ لأريتكم قبره، إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر".
علينا أن نمر مثل هذا الحديث كما جاء ولا نعترض عليه بكيف؟ ولماذا؟ لأن هذه من المسائل الغيبية التي أخبرنا بها الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى.
كذلك لابد من التنبيه أن شرع من قبلنا من الأنبياء والمرسلين شرع لنا ما لم ينسخ، فقد سأل الله موسى عليه السلام أن يدنيه من الأرض المقدسة، وقد نقل معه جثمان يوسف عليه السلام في تابوت من مصر ودفنه في بيت المقدس، لكن هذا الشرع قد نسخ بشرع محمد صلى الله عليه وسلم، المهيمن على الرسل والخاتم؛ فلا حجة في هذا الحديث لأحد في استحباب النقل إلى الأراضي المقدسة مع نهيه صلى الله عليه وسلم أن ينقل شهداء أحد وهم بطرفها، وأمر أن يدفنوا حيث ماتوا، فالسنة أن يدفن المسلم حيث مات ما لم يكن هناك مانع شرعي.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله معلقًا على هذا الحديث وعلى تبويب البخاري"باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة ونحوها":(قال الزين بن المنير: المراد بقوله:"أونحوها"بقية ما تشد إليه الرحال من الحرمين، وكذلك ما يمكن من مدافن الأنبياء وقبور الشهداء والأولياء، تيمنًا بالجوار، وتعرضًا للرحمة النازلة عليهم، اقتداء بموسى عليه السلام، وهذا بناء على أن المطلوب القرب من الأنبياء الذين دفنوا ببيت المقدس، وهو الذي رجحه عياض، وقال المهلب: إنما طلب ذلك ليقرب عليه المشي إلى المحشر، وتسقط عنه المشقة الحاصلة لمن بعد عنه.
إلى أن قال: واختلف في جواز نقل الميت من بلد إلى بلد، فقيل: يكره لما فيه من تأخير دفنه وتعريضه لهتك حرمته، وقيل: يستحب.
والأولى تنزيل ذلك على حالتين: فالمنع حيث لم يكن هناك غرض راجح كالدفن في البقاع الفاضلة، وتختلف الكراهة في ذلك فقد تبلغ التحريم، والاستحباب حيث يكون ذلك بقرب مكان فاضل، كما نص الشافعي على استحباب نقل الميت إلى الأرض الفاضلة كمكة وغيرها، والله أعلم) .
استدل من استحب الموت في الديار المقدسة بدعاء عمر رضي الله عنه:"اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلدك؛ فقالت له حفصة ابنته: أنى يكون هذا؟ قال: يأتيني به الله إن شاء"، وقد استجاب الله دعاءه، فرزق الشهادة ومات بالمدينة، وجاور رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه.
قال النووي: (قال صاحب الحاوي: قال الشافعي: لا أحبه إلا أن يكون بقرب مكة والمدينة أوبيت المقدس، فيختار أن ينقل إليها لفضل الدفن فيها؛ وقال البغوي والشيخ أبونصر البندنيجي من العراقيين: يكره نقله؛ وقال القاضي حسين، والدارمي، والمتولي: يحرم نقله؛ وقال القاضي حسين والمتولي: ولو أوصى بنقله لم تنفذ وصيته، وهذا هو الأصح، لأن الشرع أمر بتعجيل دفنه، وفي نقله تأخيره، وفيه أيضًا انتهاكه من وجوه، وتعرضه للتغيير، وغير ذلك) .
ثم ذكر حديث جابر السابق في النهي عن نقل شهداء أحد إلى المدينة.
ثامنًا: التحدث بأمور الدنيا والضحك في أثناء التشييع
رحم الله سعد بن معاذ رضي الله عنهما عندما قال:"ما صليتُ على جنازة إلا وحدثت نفسي بما تقول ويُقال لها"، من لم يتعظ بالموت فبم يتعظ؟ ولهذا رأى عبد الله بن مسعود رجلًا يضحك وهو مشيع جنازة، فقال له: أتضحك في هذا الموقف؟! والله لا أكلمك أبدًا.
ينبغي لمشيع الجنازة أن يتذكر أن هذا مصيره، فعليه أن يعد له العدة.
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يومًا على آلة حدباء محمول
فإن لم يراع حاله فعليه أن يراعي شعور أهل الميت المحزونين.
بعض الناس يغتاب في المقبرة، ويضحك، ويدخن، ويجري صفقات تجارية عن طريق الجوال أومع أشخاص، وكأنه في متجره أومنتزه.
كان سفيان الثوري رحمه الله إذا شهد جنازة لم ينتفع لمدة ثلاثة أيام.
وقال ابن الحاج المالكي في المدخل: (وهذا وما شاكله ضد ما كانت عليه جنائز السلف الماضين رضي الله عنهم أجمعين، لأن جنائزهم كانت على التزام الأدب، والسكون والخشوع، والتضرع، حتى إن صاحب المصيبة كان لا يعرف من بينهم، لكثرة حزن الجميع، وما أخذهم من القلق والانزعاج بسبب الفكرة فيما هم إليه صائرون، وعليه قادمون، حتى لقد كان بعضهم يريد أن يلقى صاحبه لضرورات تقع له عنده، فيلقاه في الجنازة فلا يزيد على السلام الشرعي شيئًا، لشغل كل منهما بما تقدم ذكره، حتى إن بعضهم لا يقدر أن يأخذ الغداء تلك الليلة لشدة ما أصابه من الجزع، كما قال الحسن البصري رضي الله عنه: ميتُ غدٍ يشيع ميتَ اليوم) .
تاسعًا: التأذين والإقامة عند إدخال الميت في حفرته