فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 1363

وفي رواية عند أحمد والحاكم:"أما أنك لو بلغتِ معهم الكدى ما رأيتِ الجنة حتى يراها جد أبيك"، أوكما قال.

وعن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها قالت: نهينا أن نتبع الجنائز، ولم يعزم علينا"، وفي رواية للطبراني عنها:"ونهانا أن نخرج في جنازة"."

إن لم يعزم عليهن في حديث أم عطية فقد عزم عليهن وحذرهن ونهاهن أشد النهي في حديث فاطمة رضي الله عنها، بل لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور، فكيف بمن يشيعن الجنازة ويختلطن مع الرجال؟!

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله معلقًا على ترجمة البخاري:"اتباع النساء الجنائز":(قال الزين بن المنير: فصل المصنف بين هذه الترجمة وبين فضل اتباع الجنائز بتراجم كثيرة تشعر بالتفرقة بين النساء والرجال، وأن الفضل الثابت في ذلك مختص بالرجال دون النساء، لأن النهي يقتضي التحريم أوالكراهة، والفضل يدل على الاستحباب، ولا يجتمعان.

إلى أن قال:

وقال القرطبي: ظاهر سياق حديث أم عطية أن النهي نهي تنزيه، وبه قال جمهور أهل العلم، ومال مالك للجواز، وهو قول أهل المدينة).

لم تكتف بعض الشقيات باتباع الجنازة إلى المقبرة، بل تجرأن وحملنها إلى المقبرة، كما فعل بعض أتباع الفرق الضالة.

خرَّج أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه قال:"خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، فرأى نسوة، فقال: أتحملنه؟ قلن: لا؛ قال: أتدفنه؟ قلن: لا؛ قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات".

قال الحافظ ابن حجر معلقًا على تبويب البخاري"حمل الرجال الجنازة دون النساء": (نقل النووي في"شرح المهذب"أنه لا خلاف في هذه المسألة بين العلماء، والسبب فيه ما تقدم، ولأن الجنازة لابد أن يشيعها الرجال، ولو حملها النساء لكان ذلك ذريعة إلى اختلاطهن بالرجال، فيفضي إلى الفتنة) .

حدث كل هذا بسبب عدم الإنكار والتسامح في الابتداع في دين الله ما لم ينزل به سلطانًا، فينبغي لولاة الأمر من الحكام وغيرهم أن يحموا حمى الدين، وأن يغاروا لمحارم الله، وأن يعملوا على تغيير المنكرات صغيرها وكبيرها، فمعظم النار من مستصغر الشرر.

خامسًا: اتباع الجنائز بالتهليل، والتكبير، وضرب الطبول

من البدع القبيحة والمحدثات السيئة التي درج عليها البعض تشييع الجنائز بالتهليل والتكبير، وقول البعض وهم مشيعون:"وحدوه"، وضرب الطبول، وإنشاد بعض الأشعار كالبردة، و"البَرَّاق"، ونحوهما، وهذا كله مخالف لسنة الحبيب المصطفى والرسول المجتبى، ولم يؤثر عن أحد من أهل العلم، لا في الحديث ولا في الورى، وأكثر من يمارس ذلك أتباع الطرق الصوفية في تشييع من مات من المشايخ.

فالواجب على المسلمين التقيد بسنة نبيهم، وترك ما سواها من البدع وإن استحسن ذلك من استحسن، فالخير كله في الاتباع، والشر كل الشر في الابتداع، ورحم الله مالكًا حيث كان كثيرًا ما ينشد ويردد:

وخير الأمور ما كان سنة وشر الأمور المحدثات البدائع

روى أبوداود في سننه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار".

سمع عبد الله بن عمر رجلًا يقول في جنازة استغفروا لأخيكم؛ فقال ابن عمر: لا غفر له بعد.

وعن قيس بن عباد وهو من أكابر التابعين ممن صحب عليًا رضي الله عنه قال:"كانوا يستحبون خفض الصوت عند الجنائز، وعند الذكر، وعند القتال".

قال الإمام النووي في باب ما يقوله الماشي مع الجنازة:(يستحب له أن يكون مشتغلًا بذكر الله تعالى، والفكر فيما يلقاه الميت، وما يكون مصيره، وحاصل ما كان فيه، وأن هذا آخر الدنيا ومصير أهلها، وليحذر كل الحذر من الحديث بما لا فائدة منه، فإن هذا وقت فكر وذكر، يقبح فيه الغفلة واللهو والاشتغال بالحديث الفارغ، فإن الكلام بما لا فائدة فيه منهي عنه في جميع الأحوال، فكيف في هذا الحال.

واعلم أن الصواب المختار ما كان عليه السلف رضي الله عنهم السكوت في حال السير مع الجنازة، فلا يرفع صوت بقراءة، ولا ذكر، ولا غير ذلك، والحكمة فيه ظاهرة، وهي أنه أسكن لخاطره، وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة، وهو المطلوب في هذه الحال، فهذا هو الحق، ولا تغترن بكثرة من يخالفه، فقد قال أبوعلي الفضيل بن عياض رحمه الله ما معناه: الزم طريق الهدى، ولا يضرنك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين.

وقد روينا في سنن البيهقي ما يقتضي ما قلته، وأما ما يفعله الجهلة من القراءة على الجنازة بدمشق وغيرها من القراءة والتمطيط، وإخراج الكلام عن موضوعه، فحرام بإجماع العلماء، وقد أوضحتُ قبحه وغلظ تحريمه، وفسق من تمكن من إنكاره فلم ينكره، في آداب القراء، والله المستعان).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:(لا يستحب رفع الصوت مع الجنازة لا بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك، هذا مذهب الأئمة الأربعة، وهو المأثور عن السلف من الصحابة والتابعين، ولا أعلم فيه مخالفًا.

وقال أيضًا: وقد اتفق أهل العلم بالحديث والآثار أن هذا لم يكن على عهد القرون الفاضلة).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت