فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 1363

قال ابن هشام: الجلل يكون من القليل والكثير، وهو ههنا القليل، قال امرؤ القيس:

ولقتل بني أسد ربهم ألا كل شيء خلاه جلل

أي صغير قليل).

فهو من الأضداد.

3.صبر وثبات أبي بكر عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم

كان أحب الرجال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبوبكر، وكان حب أبي بكر لا يدانيه حب، فعندما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليه وكان غائبًا، فكشف عن وجهه وقبَّله، وقال: طبتَ حيًا وميتًا؛ ثم خرج يتلو قوله تعالى:"وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أوقتل انقلبتم على أعقابكم"الآية، فثبت الله به قلوب المؤمنين.

4.ما فعلته الخنساء مع بنيها الأربعة

كان للخنساء أربعة أولاد، فحثتهم وحضتهم على القتال في حرب القادسية، وخرجت معهم لخدمتهم، فاستشهد أربعتهم، فصبرت واحتسبت، ولم ترثهم ببيت واحد، وهي التي بكت أخويها صخرًا ومعاوية بكاءً حزينًا سارت به الركبان في الجاهلية، ولكن عندما أسلمت سمت نفسها وتهذبت عاطفتها.

5.عمر بن عبد العزيز رحمه الله

كان لعمر بن عبد العزيز رحمه الله وزيرا صدق من أهل عشيرته، وهما ابنه عبد الملك وغلامه مزاحم، فماتا في عام واحد، فوجد عليهما وصبر، فقال وهو يواري ابنه عبد الملك - ومات وعمره سبع عشرة سنة: لأن تكون في ميزاني أحب إلي من أن أكون في ميزانك؛ يعني تموتُ قبلي وأحتسبك.

وقال: الأمر الذي نزل بعبد الملك كنا نتوقعه، فلما وقع لم ننكره؛ وقام على قبره فقال: رحمك الله يا بني، فقد كنت بارًا مولودًا، وبارًا ناشئًا، وما أحب أني دعوتك فأجبتني.

6.عروة بن الزبير رحمه الله

بُترت رجل عروة بن الزبير ومات ابنه فجأة في نفس اليوم، فحمد الله واسترجع، وقال: اللهم أخذتَ ابنًا وتركتَ أبناء، وأخذتَ عضوًا وتركتَ أعضاء، فلك الحمد على ما أخذت وعلى ما أبقيت.

7.نُعي لرجل من السلف أخاه وكان يتغدى، فقال للمخبر: تفضل تغدى، فقد نُعي إليَّ أخي من قبل؛ يريد قول الله تعالى:"إنك ميت وإنهم ميتون"، فقد نعت الآية رسول الله إلى الأمة ونعتهم إلى أنفسهم.

8.استشهد لامرأة ثلاثة أولاد يوم تُسْتر، فخرجت أمهم إلى السوق لبعض شأنها، فأعلمها رجل باستشهادهم، فقالت: مقبلين أومدبرين؟ قال: مقبلين؛ قالت: الحمد لله، نالوا الفوز، وحاطوا الذمار ، بنفسي هم وأبي وأمي.

الميت الذي يُعذب ببكاء أهله عليه

يتعجل البعض بالطعن والتشكيك في قوله صلى الله عليه وسلم:"الميت يُعذب ببكاء أهله عليه"، ويرده بدعوى أنه مخالف لظاهر قوله تعالى:"ولا تزر وازرة وزر أخرى"،"وأن ليس للإنسان إلا ما سعى".

أما الموقنون بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، وأن ما صحَّ عنه لم يمكن أن يعارض كتاب الله، لأن الكل من الوحي، فإنهم لا يتعجلون في رد السنن وإنكارها، وإنما يبحثون عن توفيق أهل العلم المختصين لها.

فالميت الذي يعذب ببكاء أهله عليه هو الذي يوصي بذلك، كما كان بعض الجاهليين يقول لبنته مثلًا: إذا أنا مت فقولي في كذا وكذا؛ أوذلك الشخص الذي هو متيقن من جزعهم وتسخطهم ثم لا يحذرهم وينهاهم عن ذلك في حياته؛ أما إذا حذرهم ونهاهم وتبرأ من صنيعهم هذا فلا يناله شيء من بكائهم ولو ناحوا عليه الدهر كله، والله أعلم.

ثالثًا: ما ابتدع في التعزية

حكم التعزية

التعزية سنة مستحبة، وقد ورد في فضلها أحاديث ليست بالقوية، نحو:"ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله عز وجل من حلل الكرامة يوم القيامة"، وروى الترمذي عن أبي برزة يرفعه:"من عزى ثكلى كسي بردًا في الجنة".

صيغ التعزية

أحسن ما ورد في التعزية ما عزى به رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى بناته في صبي لها:"إن لله تعالى ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل"، وأمرها بالصبر والاحتساب.

وروى البيهقي في مناقب الشافعي أن الشافعي بلغه أن عبد الرحمن بن مهدي مات له ابن فجزع عليه عبد الرحمن جزعًا شديدًا، فبعث إليه الشافعي رحمه الله: يا أخي عزِّ نفسك بما تعزي به غيرك، واستقبح من فعلك ما تستقبحه من فعل غيرك، واعلم أن أمضى المصائب فقد سرور وحرمان أجر، فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وزر؟! فتناول حظك يا أخي إذا قرب منك قبل أن تطلبه وقد نأى عنك، ألهمك الله عند المصائب صبرًا، وأحرز لنا ولك بالصبر أجرًا؛ وكتب إليه:

إني معزيك لا أني على ثقة من الخلود ولكن سنة الدين

فما المعزَّي بباقٍ بعد ميته ولا المعزِّ ولا عاشا إلى حين

وكتب رجل إلى بعض إخوانه يعزيه بابنه: أما بعد، فإن الولد على والده ما عاش حزن وفتنة، فإذا قدمه فصلاة ورحمة، فلا تجزع على ما فاتك من حزنه وفتنته، ولا تضيع ما عوضك الله عز وجل من صلاته ورحمته.

فالتعزية تحدث بأي لفظ ليس فيه مخالفة شرعية، نحو:

أحسن الله العزاء، وجبر الله الكسر، ورحم الله المتوفى.

أحسن الله عزاءكم وغفر لميتكم.

أجاركم الله في مصيبتكم وأخلف عليكم خيرًا منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت