لقد نهى الإسلام أتباعه عن سلوك هذا المسلك المشين، وأمرهم عند نزول المصائب أن يحمدوا الله ويسترجعوه:"الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون"، فعظم الثواب من عظم المصاب، وليتذكروا مصابهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كل مصيبة بعده جلل.
لقد رخص الإسلام في البكاء بالدمع من غير نواح ولا صياح ولا تسخط، فقد دمعت عينا سيد الخلق عندما مات ابنه إبراهيم عليه السلام، وعندما عوتب في ذلك قال:"إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون".
وقد بيَّن الرسول الكريم أن الصبر إنما يكون عند الصدمة الأولى.
الأدلة على النهي عن هذه الفعال الجاهلية
1.عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية".
2.وعن أبي أمامة رضي الله عنه:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور".
3.وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أربع في أمتي من أمر الجاهلية لن يدعهن الناس: النياحة، والطعن في الأحساب، والعدوى.. والأنواء مطرنا بنوء كذا وكذا".
4.وروي عنه أنه قال:"النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب".
5.وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:"مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر، فقال: اتقي الله واصبري؛ قالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي؛ ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك؛ قال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى".
6.وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:"اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم، فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله، فقال: قد قضى؟ قالوا: لا يا رسول الله؛ فبكى النبي، فلما رأى القوم بكاء النبي بكوا، فقال: ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أويرحم، وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه"، وكان عمر رضي الله عنه يضرب فيه بالعصا، ويرمي بالحجارة، ويحثي بالتراب"."
7.عن عائشة رضي الله عنها قالت:"لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قتلُ ابن حارثة وجعفر وابن رواحة جلس يُعرَف فيه الحزن، وأنا أنظر من صائر الباب - شق الباب - فأتاه رجل فقال: إن نساء جعفر - وذكر بكاءهن- فأمره أن ينهاهن، فذهب ثم أتاه الثانية لم يطعنه، فقال: انْهَهُنَّ؛ فأتاه الثالثة قال: والله غلبننا يا رسول الله؛ فزعمت أنه قال: فاحث في أفواههن التراب؛ فقلت: أرغم الله أنفك، لم تفعل ما أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تترك رسول الله من العناء".
نماذج للصبر والاحتساب
لقد ضرب السلف الصالح نماذج رائعة في صبرهم واحتسابهم عند المصائب، وإليك طرفًا من ذلك، لتعرف الفرق الشاسع والبون الواسع بيننا وبين سلفنا الصالح:
1.ما فعلته أم سليم وأبو طلحة رضي الله عنهما
عن أنس رضي الله عنه قال:"اشتكى ابن لأبي طلحة، قال: فمات وأبو طلحة خارج، فلما رأته امرأته أنه قد مات هيأت شيئًا ونحته في جانب البيت، فلما جاء أبوطلحة قال: كيف الغلام؟ قالت: قد هدأت نفسُه، وأرجو أن يكون قد استراح؛ وظن أبوطلحة أنها صادقة، قال: فبات، فلما أصبح اغتسل، فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات، فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما كان منهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لعل الله يبارك لكما في ليلتكما"، قال سفيان: فقال رجل من الأنصار: فرأيت لهما تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن".
وفي رواية لابن حبان:"تزوجت أم سليم بأبي طلحة بشرط أن يسلم، فحملت فولدت غلامًا صبيحًا، فكان أبو طلحة يحبه حبًا شديدًا، فعاش حتى تحرك فمرض، فحزن أبو طلحة عليه حزنًا شديدًا حتى تضعضع".
وفي رواية قالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قومًا أعاروا أهل بيت عارية، فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا؛ قالت: فاحتسب ابنك؛ فغضب، وقال: تركتني حتى تلطخت، ثم أخبرتني بابني"، وفي رواية قال لها:"والله لن تغلبيني على الصبر"."
2.كل مصيبة بعدك جلل!
روى ابن إسحاق بسنده إلى سعد بن أبي وقاص قال: (مر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راجع إلى المدينة بعد غزوة أحد بامرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد، فلما نعوا لها قالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: خيرًا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين؛ قالت: أرونيه حتى أنظر إليه؛ قال: فأشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت:"كل مصيبة بعدك جلل".