فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 1363

اعلموا أيها الحكام أن المسلم لا يزال في فسحة من أمره ما لم يرق دمًا حرامًا، كما أخبر الصادق المصدوق، وخير لك أن تكون مظلومًا من أن تكون ظالمًا، وتذكر أن الظلم ظلمات يوم القيامة، ولك في الحبس والاعتقال، وهو لا يحل إلا ببينة، مندوحة عن قتل أخيك المسلم، وتذكر أن كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وعرضه، وماله، وتذكر أيها الجاسوس أن الجنة لا يدخلها قتات، واحذر أن تفدي نفسك بنفس أخيك المسلم.

عن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إنك إن اتبعت عورات المسلمين أفسدتهم، أوكدت أن تفسدهم".

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه أتي برجل فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرًًا؛ فقال:"إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به".

مما يدل على وجوب الجلوس مع هؤلاء الشباب ومناقشتهم وتفهم تصوراتهم أنهم من أهل السنة والجماعة، وحق السني على السني أوجب من حق غيره من أهل القبلة.

قد يبدو في البداية صعوبة هذا الأمر، ولكن إذا صدقت النية، ووضح الهدف، وبان الغرض، يسر الله له الأسباب:"ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب"، فقط الأمر يحتاج إلى:

1.صدق نية.

2.وشجاعة.

3.وتجرد وصراحة.

4.وصبر ومصابرة.

فإذا توفرت هذه المعينات تحقق هذا الأمر.

نماذج من مناظرات سلف هذه الأمة للخوارج، ونصحهم لهم، وصبرهم عليهم

1.مناظرة ابن عباس لهم

روى ابن عبد البر بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال:"لما اجتمعت الحرورية يخرجون على عليّ، جعل يأتيه الرجل فيقول: يا أمير المؤمنين! إن القوم خارجون عليك؛ قال: دعهم حتى يخرجوا؛ فلما كان ذات يوم قلت: يا أمير المؤمنين! أبرد بالصلاة، فلا تفتني حتى آتي القوم؛ قال: فدخلت عليهم، وهم قائلون، فإذا هم مسهمة وجوههم من السهر، قد أثر السجود في جباههم، كأن أيديهم ثفن الإبل، عليهم قمص مرحضة، فقالوا: ما جاء بك، يا ابن عباس؟ وما هذه الحلة عليك؟ قلت: ما تعيبون من ذلك؟ فلقد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه أحسن ما يكون من الثياب اليمنية؛ قال: ثم قرأت هذه الآية:"قل من حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق"؛ قالوا: ما جاء بك؟ قال: جئتكم من عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس فيكم منهم أحد، ومن عند ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله، جئت لأبلغكم عنهم، وأبلغهم عنكم؛ فقال بعضهم: لا تخاصموا قريشًا، فإن الله يقول:"بل هم قوم خَصِمون"، فقال بعضهم: بلى! فلنكلمنه؛ قال: فكلمني منهم رجلان أوثلاثة؛ قال: قلت: ماذا نقمتم عليه؟ قالوا: ثلاثًا؛ فقلت: ما هن؟ قالوا: حَكَّم الرجال في أمر الله، وقال الله تعالى:"إن الحكم إلا لله"؛ قال: هذه واحدة، وماذا أيضًا؟ قالوا: فإنه قاتل فلم يسبِ، ولم يغنم، فإن كانوا مؤمنين ما حل قتالهم، ولئن كانوا كافرين لقد حلَّ قتالهم وسبيهم؛ قال: قلت: وماذا أيضًا؟ قالوا: ومحا نفسه من إمرة المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين؛ قال: قلت: أرأيتم إن أتيتكم من كتاب الله وسنة رسوله بما ينقض قولكم هذا، أترجعون؟ قالوا: ومالنا لا نرجع؟ قال: قلت: أما قولكم: حكم الرجال في أمر الله، فإن الله قال في كتابه:"يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم"، وقال في المرأة وزوجها:"وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها"، فصيَّر الله ذلك إلى حكم الرجال، فناشدتكم الله! أتعلمون حكم الرجال في دماء المسلمين وفي إصلاح ذات بينهم أفضل، أوفي دم أرنب ثمنه ربع درهم؟ وفي بُضْع امرأة؟ قالوا: بلى! هذا أفضل؛ قال: أخرجتم من هذه؟ قالوا: نعم! قال: وأما قولكم: قاتل ولم يسب ولم يغنم، أتسبون أمكم عائشة؟ فإن قلتم نسبيها فنستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم، وإن قلتم ليست بأمنا فقد كفرتم، فأنتم تترددون بين ضلالتين، أخرجتم من هذه؟ قالوا: بلى!"

قال: وأما قولكم: محا نفسه من إمرة المؤمنين، فأنا آتيكم بمن ترضون، إن نبي الله يوم الحديبية حين صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب يا علي، هذا ما صالح عليه محمد رسول الله؛ فقال أبو سفيان وسهيل بن عمرو: ما نعلم أنك رسول الله، ولو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك؛ قال رسول الله: اللهم إنك تعلم أني رسولك، يا علي، اكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وأبوسفيان وسهيل بن عمرو؛ قال: فرجع منهم ألفان، وبقي بقيتهم فخرجوا فقتلوا أجمعون"."

انظر إلى بركة هذه المحاورة وفائدتها وسرعة نتائجها، رجوع ألفين منهم إلى حظيرة الجماعة، فهل بعد ذلك ييأس أحد من محاورة أولئك الشباب الذين ليس بينهم وبين الخوارج شبه؟

2.مناظرة ابن الزبير رضي الله عنهما للخوارج

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت